ثقافة وفنون

زهرة الجبال الصماء

"كان أبي كثير الغياب عن المنزل، خاصة في موسمي الربيع والصيف، حينما يتهيأ للرحيل كان يفتح صندوق أغراضنا التي نعدها ثمينة، يخرج بعناية قطعة الثوب الأبيض النقي التي تحوي المزامير، ويختار واحدا منها، يضع سرواله الأسود المطوي بعناية، وقميصه الناصع البياض، ونعله الأصفر الجديد، وفي جراب كبير من سعف النخل الجبلي، يحمل جلبابه الأسود المزركش بورود من خيوط ناصعة الألوان على كتفه، يقبلني، يودعنا ويرحل، كنت أعرف من أمي أنه يذهب بحثا عن الرزق، لكن عمتي تقول لي (إنه يذهب أساسا ليغني للجبال الصماء)، وتشير بيدها إلى قمم الجبال التي تمتد محتضنة قريتنا، التي تتفرع منها صخرة بيضاء عملاقة على شكل أذن. تعي عمتي أنني لم أفهم كلامها فتخاطبني (والدك يغني للجبال عبر إحياء الحفلات ونثر الفرح بين الناس بصوته ومزماره، حتى تنبت زهرات البلسم من بين صممها)، أحملق فيها مشروهة وهي تضيف (تيمنا برؤية زهرات البلسم تنمو أطلقنا عليك اسم زهرة)، وصمتت عمتي للحظة قبل أن تواصل حديثها موضحة (أبوك نذر نفسه للغناء، إنه يرى أن الغناء هو السبيل للشفاء من شرور النفس، وما تبثه المرتفعات الرمادية المحيطة بنا من هم ثقيل على القلب)".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون