ثقافة وفنون

الأدب الرقمي .. رؤية جديدة للنص خارج الورق

حقق الحاسوب ثورة مع الثقافة الورقية ووسائلها التقليدية منذ منتصف الخمسينيات من القرن الـ20 وحتى اليوم، دفعت نحو وجود ما يسمى بـ"الأدب الرقمي"، وهو الأدب السردي أو الشعري أو الدرامي الذي يستخدم الإعلاميات في الكتابة والإبداع، أي يستعين بالحاسوب أو الجهاز الإعلامي من أجل كتابة نص أو مؤلف إبداعي، ويحوّل النص الأدبي إلى عوالم رقمية وآلية وحسابية.
وفي مقاربة أبسط، يشير البعض إلى هذا النوع من الأدب حينما يتحدث عن الإنتاج الأدبي، الذي يقرأ على شاشة الكمبيوتر، ويدمج الوسائط الإلكترونية المتعددة، ليكون بمنزلة "أدب خارج الورق".

ليس قطيعة أدبية
ذاع مصطلح الأدب الرقمي بشكل واسع في ثمانينيات القرن الماضي، وقد يشير إليه بعض المثقفين بالأدب التفاعلي، أو أدب الصورة، والأدب الإلكتروني، والأدب الآلي، وأدب الشاشة، وعديد من المصطلحات المقاربة، كونه مفهوما حديث العهد، كما أثار كثيرا من القيل والقال وانعدام الثقة، بحسب ورقة بحثية مترجمة لفيليب بوتز، الذي تحدث عن الخاصية البنيوية لهذا النوع من الأدب، وأكد أنه ليس هناك قطيعة مفاجئة بين الأعمال الأدبية الرقمية ونظيرتها غير الرقمية، بل هناك استمرارية تجارب نقلا للمسألة الأدبية بشكل تدريجي وبطيء.
ولا شك أن هذا الأدب الجديد يأخذ مساحة كبيرة من الثقافة، فتصفح الكتب الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي باتت أسهل من مطالعة الكتب التقليدية. فيما يشير الدكتور جميل حمداوي في كتابه "الأدب الرقمي بين النظرية والتطبيق" إلى أن الأدب الرقمي لا يعد جديدا على الإطلاق، فالأدب الرقمي ظهر قبل أن يظهر الحاسوب، معللا ذلك بأن الأدب ارتبط فيما مضى بوسائط تقنية أخرى غير الحاسوب، كالشريط، والفيلم، والسينما، والتلفزة، والهاتف.
ويسجل أكاديميون وجود بعض السلبيات في الأدب الرقمي، تتجلى في صعوبة الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية، فيما سجل آخرون كثيرا من الإيجابيات له، مقارنة بنظيره الأدب الكلاسيكي، الذي ينتقل عبر الوسائط الإعلامية التقليدية، كالكتاب والصحف الورقية، حيث يمكن للأدب الرقمي أن يزيد من انتشار الأدب لسهولة التواصل عبر الإنترنت، وإتاحة الفرصة للجميع ببث منتوجه، كما أنه نقل الأدب من الورق إلى شاشات الحواسيب والأجهزة الذكية، مثل تحويل الكتب إلى نسخ إلكترونية، وإضافة مزايا التفاعل التقني بالصوت والصورة والانفوجرافيكس، إضافة إلى الميزة التفاعلية من خلال تعليقات الجمهور المباشرة على المحتوى الأدبي.

هل يعني اختفاء الورق؟
في جدال شهدته منصة "تويتر" خلال الأيام الماضية، ورغم الوسيلة التقنية التي تم بها النقاش المحتدم حول اختفاء الورق، إلا أن أدباء ومهتمين بالشأن الثقافي علقوا على أهمية الورق في حياتهم، سواء على المستوى النفسي، أو فيما يتعلق بسهولة الاطلاع والتخزين مقارنة بالكتب الرقمية، فيما ذهب آخرون إلى أن اختفاء الوسيط الورقي أمر محال، ولو كانت تكلفته أعلى.
ولأن هذا النوع من الأدب لا يزال في طور التجربة عربيا، فإن النماذج الموجودة على شبكة الإنترنت لا تزال حديثة وغير ناضجة، ولا تقارن بمثيلاتها من التجارب البريطانية والأمريكية.

رؤية قاسية
في الوقت الذي أشار فيه كُتّاب إلى "الأدب الرقمي" باعتباره كتابات "تويتر" و"فيسبوك"، وهي رؤية قاصرة، لا تأخذ في الحسبان دمج الصوت والصورة والفيديو مع النص، كما لا تنظر إلى تطور الكتابة عبر التاريخ، التي لم تكن مقتصرة على الورق فقط، حيث سبقتها الكتابة على الوسائل المختلفة مثل الفحم والحجر والجلود. يتحدث الأديب الدكتور عبدالله بن رفود السفياني، عضو مجلس الشورى، عن رؤيته نحو الأدب الرقمي التي وصفها بـ"القاسية".
وقال الدكتور السفياني في مجموعة تغريدات على "تويتر"، "إن هناك رؤيتين مشهورتين حول الأدب الرقمي؛ الأولى أن ما يكتب إلكترونيا على الإنترنت أو الشبكات هو أدب رقمي، وفي تصوري أن هذه الرؤية قاصرة وساذجة، فالنص هو النص، سواء كتب على صخر أم في شاشة ضوء، ولا فرق! وأعتقد أن الوسط النقدي بدأ في تجاوزها، والثانية ترى أن مصطلح "الأدب الرقمي" لا يطلق إلا على النماذج الرقمية التفاعلية التشاركية التي تتداخل فيها الصور والأصوات والإخراج، ويسهم المتلقي في بناء النص مع صانعه الأول! في تشعب غير محدود. وهذا التصور عليه أكثر الدارسين، ومع حماس كثيرين له فإنني أسجل عليه اعتراضات من أهمها: إذا سألت المتحمسين عن نماذج عربية لهذا النموذج فلن تحصل إلا على أمثلة مكررة تعد على أصابع اليد الواحدة، وكلها - من المضحك - غير موجودة على الشبكات، لأنها صممت بتطبيقات برمجية قديمة انقرضت أو وضعت على سيرفرات مجانية متهاوية مصيرها الأفول! وهذه النماذج "الساذجة" - مع كامل الاحترام لأصحابها - بنيت بجهود فردية من صانعيها، فالأديب هنا هو المبرمج والمصمم والمصور وفني الصوتيات والمخرج النهائي للعمل، لذلك خرجت بصورة بدائية ضعيفة تجاوزها الزمن الرقمي والتقني، ولا ترقى إلى الاطلاع فضلا عن القراءة الناقدة لها، كما أن إنتاج الأدب الرقمي بهذا المفهوم يعني تحول الكاتب من أديب إلى مخرج ومبرمج ومصور، أي انتقاله إلى حقول فنية أخرى غير اللغة وبناء النص، وعليه فالناقد الذي سيمارس النقد هنا يجب أن يكون على علم واف بالبرمجة وفنون البصريات والسمعيات والإخراج، وذلك غير متوافر لممارسة هذا العمل، والأدب بهذا المفهوم هو عمل مؤسساتي ينتج فيه الأديب النص وتتولى المؤسسة عبر المبرمجين والمصممين والمخرجين تحويره وتصنيعه ليكون تفاعليا وتشاركيا، كما هو الحاصل في بعض الجامعات والمؤسسات الغربية والأمريكية".
ويضيف "واستنادا إلى ما سبق، فإنني أقول - وبارتياح شديد - "إن الأدب الرقمي بالمفهوم التفاعلي التشاركي لا وجود له في الأدب العربي، وتسمية بعض الجهود الفردية الساذجة بالريادة والرواد هو عبث وموضة انتهت، ويجب أن يكف النقد عن مجاراتها! وأرى أن الأقسام الأكاديمية يجب - مع كرهي لكلمة يجب - أن تكف عن العبث الحاصل في دراسات وبحوث الأدب الرقمي بمفهوميه السابقين، وأن تشغل الطلاب والباحثين بدراسات نافعة وجادة تثري المشهد الأدبي والنقدي".
ويبقى التساؤل اليوم: هل أضاف الأدب الرقمي شيئا إلى الحراك الثقافي أم يعد مجرد موضة ثقافية؟ وهل هناك تجارب عالمية تستحق الذكر والاقتداء عربيا؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون