مخاطر الركود الاقتصادي العالمي

|


الشيء المؤكد حول الركود الاقتصادي أن فترات هذا الركود صارت نادرة بالفعل، وتحديدا بعد أن انتهى العالم من تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008. أدخلت سياسات اقتصادية مختلفة من أجل تعزيز النمو في البلدان المتقدمة على وجه الخصوص، بعد أن اتبعت أنظمة رقابية مالية صارمة، لعدم تكرار الأزمة المشار إليها. لكن المشكلة تبقى في أن معظم الحكومات توجه اقتصاداتها بما يخدم أحيانا مصالحها السياسية. أي تبقى في الحكم لأطول فترة ممكنة، وتستقطب ما أمكن لها من شعبية استعدادا لأي انتخابات عادية أو طارئة. بينما تعتقد جهات عدة أن مثل هذه التدخلات ولا سيما على صعيد البنوك المركزية، تقلل من تنافسية هذا الاقتصاد أو ذاك، وتضعه تحت رحمة أزمة تقود تلقائيا إلى الركود.
الحقيقة الراهنة أن فترات الركود صارت نادرة، لكن إذا ما وقعت، فهناك شبه إجماع على أنها ستكون قوية جدا. وفي الآونة الأخيرة زاد الحديث عن إمكانية دخول الاقتصاد العالمي حالة من الركود قد تطول، ويركز هذا الطرح على تراجع النمو فعلا في عدد من البلدان المتقدمة من بينها ألمانيا نفسها وفرنسا وغيرهما. يضاف إلى ذلك الحرب التجارية الراهنة بين الولايات المتحدة والصين التي نشرت الرعب في الأجواء العالمية، فضلا عن المعارك التجارية التي لم تهدأ بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية. وكل هذا يحدث بعد أشهر قليلة من انتهاء تبعات الأزمة العالمية الكبرى، حيث لم تترك المواجهات التجارية مساحة للعالم للاحتفال بالخلاص من هذه التبعات.
والسؤال الأهم هنا، أيهما أسوأ: فترات ركود بسيطة الضربات، أم ركود متأخر زمنيا لكنه مدمر؟ لا شك أن في الحالتين ستكون هناك مصائب اقتصادية كبيرة، خصوصا في ظل اقتصاد عالمي هش أصلا، وفي وقت تزداد فيه المواجهات بين البلدان الكبرى حول التجارة، إلى جانب طبعا تدخل الحكومات الواضح في السياسات المالية هنا وهناك، مع بعض الاستثناءات القليلة جدا. التحذيرات من الركود لم تتوقف بصرف النظر عن ندرة وقوعه في الفترة الماضية. لكن هناك خلافات بين المختصين حول مسألة التوسع الاقتصادي الذي يرتبط بصورة مباشرة بوقوع الركود من عدمه. جانيت يلين رئيسة المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تعتقد أن الفكرة القائلة إن "التوسعات الاقتصادية تموت في سن الشيخوخة ليست إلا أسطورة". فالتوسعات الأطول تعني أن حالات الركود أصبحت نادرة. والنقطة الأخيرة يمكن إثباتها في قراءة المشهد الاقتصادي العالمي أعقاب الحرب العالمية الثانية.
لكن تبقى المخاطر من حدوث الركود الاقتصادي ماثلة على الساحة، والأهم أنه لو وقع هذا الركود سيكون قويا للغاية، وفق آراء كثير من الخبراء المستقلين في الولايات المتحدة وأوروبا. لا أحد في هذا العالم يمكنه أن يضمن عدم وقوع بلاده في ركود، خصوصا إذا كانت السياسات الاقتصادية المتبعة تعاني ثغرات متعددة. والركود المتوقع الجديد لا يزال مطروحا على الساحة، مع غياب التفاهمات الدولية، ولا سيما بين البلدان التي تؤثر في الحراك الاقتصادي العالمي. وفي كل الأحوال، أي ركود مدمر محتمل، سيصيب بقوة اقتصاد العالم بجمود مرعب، وسيضع الحكومات أمام مهمات صعبة للغاية. فهذه الحكومات مهما كانت قوية سياسيا، فإنها ستتعرض لضربات الركود عبر خسارة كثير من الأدوات الفاعلة على الساحة المحلية في هذا البلد أو ذاك.

إنشرها