FINANCIAL TIMES

الأجهزة الرقمية .. مفتاح الشرطة لكشف الجرائم الغامضة

في المعمل الجنائي الحساس للغاية التابع لشرطة سكوتلاند يارد لا توجد بصمات أصابع للمشبوهين، أو آثار دم. بدلا من ذلك، الفنيون لدى شرطة العاصمة يجلسون على مكاتب يدققون في جداول البيانات، ويحركون صفحات البيانات على الشاشة ويطالعون مقاطع فيديو غير واضحة.
هنا، الفريق الجنائي الرقمي المؤلف من 160 شخصا يحل القضايا من خلال التنقيب في الهواتف الذكية، وأجهزة اللابتوب، ومنصات الألعاب، وحتى أنظمة الترفيه في السيارات، من أجل البيانات المخبأة فيها.
بالنسبة للشرطة، هذه هي التخوم الأمامية المتطورة في حل الجرائم، فهي تعري كل رسالة وصورة واتصال على هاتف المشتبه به، وتنطوي على إمكانية تثوير قضايا الادعاء. لكن المهارات اللازمة لذلك نادرة، والعمل نفسه مكلف ويستهلك كثيرا من الوقت.
سجل شرطة العاصمة يخضع الآن لتدقيق خاص: في السنتين الماضيتين، محاكمتان في قضايا اغتصاب انهارتا في لندن لأن الدليل الأساسي الموجود على الهاتف الذي تقوم عليه قضية الادعاء لم يتم التعرف عليه في الوقت المناسب من قبل المحققين، أو تم تسليمه إلى فريق الدفاع بعد فوات الأوان.
السؤال هو ما إذا كان بإمكان قوات الشرطة تعزيز عملياتها الرقمية في الوقت الذي تكون فيه الميزانيات محدودة، ويتركز الإنفاق الحكومي على تعزيز عدد أفراد الشرطة في الخط الأمامي.
لكن حتى لو استطاع رؤساء الشرطة توفير تمويل أفضل للبحث الجنائي الرقمي، يخشى ناشطو الحملات الخاصة أن يؤدي الاستنطاق الشامل للبيانات إلى انتهاك حقوق الإنسان.
وفقا لمارك ديفيز، وهو ضابط شرطة سابق يقدم الآن النصح والمشورة لفرق البحث الجنائي المدني حول كيفية إقامة الحجج في القضايا، هناك شاهد رقمي في كل جريمة.
قال: "ربما لن تستطيع دائما العثور على بصمة إصبع. لكني أتحداك أن تفكر في جريمة لا يدخل فيها هاتف أو كاميرا مراقبة على موقع".
ازدهرت أعمال المحققين الرقميين إلى جانب الشهية المتزايدة من الجمهور للتكنولوجيا الجديدة.
كل جهاز مرتبط بشبكة الإنترنت يمثل مفتاحا محتملا لحل إحدى الجرائم. محققو شرطة العاصمة الذين يحاولون معرفة متى اندلع أحد الحرائق المحلية توصلوا في النهاية إلى تحديد الوقت من خلال حساب متى تم الضغط على المفتاح الأخير من قبل اللاعبين في منصة الألعاب في المنزل. واستطاعوا في إحدى الحالات استخراج البيانات من جهاز تنظيم القلب الذي كان على الضحية وعملوا مع الشركة الصانعة لتحديد وقت الوفاة.
من بين جميع الأعمال الداخلة في تحليل البيانات الجنائية الرقمية، استخراج البيانات من الهاتف والكمبيوتر هو الذي يستغرق أطول فترة من الوقت – وأكثرها جدلا.
تنزيل محتويات هاتف ذكي، وهو أسلوب معتاد حتى في الجرائم الصغيرة، مثل حيازة المخدرات مع نية التوزيع، يمكن أن يستغرق من خمس إلى سبع ساعات. ولا بد أن يكون أحد أفراد الشرطة حاضرا خلال العملية لضمان نزاهة عملية جمع الأدلة، ما يقلص من قدرتهم على العمل في أجزاء أخرى من أعمال الشرطة.
بعد أن يتم جمع الأدلة، تخضع للتمحيص والاستيعاب. في قضية اغتصاب في الفترة الأخيرة ـ انهارت في المحكمة ـ أشارت حسابات الفريق إلى أن التنقيب في رسائل المشتبه به على الواتساب، والبالغ عددها 70 ألف رسالة، كانت تحتاج من شرطي واحد إلى 90 يوما يعمل فيها من التاسعة صباحا حتى الخامسة مساء. ويمكن أن تحتاج قضايا التحايل إلى التنقيب في 50 هاتفا جوالا و25 جهاز لابتوب.
لكن سيلكي كارلو، مديرة المجموعة الناشطة "بيج براذر ووتش"، تخشى من التدخل غير المبرر. فهي تعتقد أن البحث في الأدلة المادية يجب أن يتناسب مع القضية وأن يكون محدودا، إلا أن هذه القيود "لا يبدو أنها تنطبق" في سياق التكنولوجيا. تقول: "هذه أرض مشاعة للجميع، وتشتمل على رقابة رقمية شاملة لكامل حياة الشخص".
وفقا لكارلو، أكثر تطور يبعث على القلق هو أن الذين يبلغون عن حوادث الاغتصاب والعنف المنزلي يطلب منهم تسليم أجهزتهم للمساعدة على جمع الأدلة حول العلاقة بين الضحية والمعتدي. وقالت: "(ضبط الأجهزة) أمر سيئ بما فيه الكفاية بالنسبة للمشتبه بهم في الجرائم، لكن حين نطبقه على الضحايا كذلك فهذا أمر يبعث على الذهول".
في الوقت نفسه، تقول المحاكم لشرطة العاصمة إنها لا تفعل ما يكفي للتحقيق في بيانات الهاتف ولا تفعل ذلك بالسرعة الكافية.
المعمل الجنائي الرقمي في لامبيث ركب الآن أنظمة أفضل لمساعدة أفراد الشرطة في العثور على المعلومات التي يحتاجون إليها ضمن البيانات التي تم تنزيلها.
لورا مارجيسون سميث، الرئيسة بالوكالة لقسم الأدلة الجنائية الرقمية، هي أيضا صريحة حول حقيقة أن فريقها، الذي يشكل سدس القوة العاملة الجنائية، ليست لديه القدرة على خدمة احتياجات أفراد شرطة العاصمة البالغ عددهم 28 ألف شرطي وشرطية.
ومع أن رئيس الوزراء، بوريس جونسون، تعهد بتمويل 20 ألف شرطي إضافي، إلا أنها قالت إن منطقتها في الوقت الحاضر ليست من المناطق التي من المقرر أن تحصل على أية زيادات في الميزانية أو الأفراد.
من دون مزيد من الموارد، من الصعب أن نرى كيف تستطيع الشرطة الوفاء بمتطلبات حل الجرائم في عالم يزداد رقمنة باستمرار.
التحقيق الجنائي في حريق مبنى برج جرينفيل في عام 2017 الذي أدى إلى وفاة 72 شخصا، يشتمل على 45 مليون رسالة إلكترونية ووثيقة تم ضبطها لدى الشركات والمقاولين. بالمعدل الحالي، يقول المحققون الذين ينقبون في هذا الطوفان من البيانات إنهم لن يتمكنوا من إقامة أية اتهامات إلا في عام 2021 على أقرب تقدير.
على المدى الطويل يتفق كبار الموظفين في شرطة العاصمة على أن الحل الوحيد للبحث واستيعاب هذه الأكوام من البيانات الرقمية يأتي من تجاوز الفنيين الأفراد تماما، وتطوير أنظمة للذكاء الاصطناعي.
قال أحد كبار الموظفين: "عملنا خلال السنتين أو الثلاث المقبلة سيكون أن نثبت على نحو متزايد كيف نستفيد من أي شيء بمقدورنا الحصول عليه من أجل تطوير أدوات تمكننا من أداء الأعمال الصعبة التي تنطوي على البحث في هذه الكميات الضخمة من البيانات". "ما لم يتغير المجتمع – وأعتقد أنه لا يوجد ما يشير إلى أن حبنا للأجهزة والتكنولوجيا سيتراجع، سيكون ذلك جزءا متزايدا من كل تحقيق، أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES