FINANCIAL TIMES

فترات الركود أصبحت أكثر ندرة وأكثر رعبا

نادرا ما كان العالم مجهزا بشكل أسوأ لمحاربة الركود مثلما هو الآن. ومع ذلك لم يكن لديه قط عدد أقل من حالات الركود ليتصدى لها. وهذا يجعل من الصعب أن نتخيل الركود العالمي المقبل، لكن من المرجح أنه سيكون حدثا صادما وغير متوقع، أشبه بالانتشار المفاجئ لمرض جديد أكثر منه للبداية السنوية للإنفلونزا.
أجراس الإنذار المحذرة من قدوم الركود انطلقت بصوت مرتفع هذا الصيف بفضل انعكاس منحنى العائد في الولايات المتحدة، الذي يعني أن أسعار الفائدة على الديون قصيرة الأجل أعلى من أسعار الفائدة على الديون طويلة الأجل. حدث ذلك في الوقت الذي حطم فيه التوسع الاقتصادي الحالي الأرقام القياسية وشهدنا انخفاضا عالميا في مقاييس الثقة بشأن التصنيع.
مع انخفاض أسعار الفائدة إلى مستوى الصفر أو قريبا من ذلك في معظم أنحاء العالم الصناعي، لم يعد لدى المصارف المركزية مجال كبير للاستجابة. أي ركود في النشاط الاقتصادي سيكون احتمالا مخيفا.
ربما يسمح لنوبة الضعف العالمية الحالية أن تتحول إلى تراجع أمريكي وعالمي. مع ذلك، فإن هذا من شأنه أن يتحدى نمط الركود في العقود الأخيرة، الذي تغيرت بواعثه ووتيرته. حالات الركود نادرة، وعندما تبدأ تكون الشرارة في كثير من الأحيان انهيارا ماليا أكثر من كونها انخفاضا في النشاط التجاري أو زيادة في سخونة الاقتصاد.
لطالما كان للمتنبئين بالركود سجل سيئ، لكن في الماضي لم يكن على المتشائمين، المتنبئين بالكوارث، سوى الانتظار بضع سنوات من أجل لحظة مجدهم. الخلاص الآن يمكن أن يستغرق عقودا. مرور 122 شهرا على التوسع الحالي في الولايات المتحدة يعني أنه الأطول على الإطلاق، متفوقا بذلك على التوسع الذي حدث في الفترة من 1991 إلى 2001.
جانيت ييلين، رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابقة، تجادل بأن الفكرة القائلة إن التوسعات الاقتصادية تموت في سن الشيخوخة ليست إلا "أسطورة". التوسعات الأطول تعني أن حالات الركود أصبحت نادرة. خلال 35 عاما بعد الحرب العالمية الثانية كانت هناك ثماني حالات ركود في الولايات المتحدة. وفي الـ35 عاما التالية كانت هناك أربع حالات. الاتجاهات في البلدان المتقدمة الأخرى تبدو مشابهة.
في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي اعتاد الاقتصاديون التحدث عن "اعتدال كبير"، وهي الفكرة التي تقول إن الناتج أصبح أقل تقلبا بشكل ملحوظ منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي. لكن ثبت أنها فكرة محرجة بعد الأزمة المالية في عام 2008 وبالتالي تلاشت تلك العبارة. مع ذلك، تشير الأدلة منذ ذلك الحين إلى أن هذه الظاهرة حقيقية. تقلب النمو الفصلي في الولايات المتحدة الآن أقل مما كان عليه في أي وقت مضى.
تم تقديم عدة تفسيرات. أحدها انخفاض دورات المخزون في التصنيع: استخدام تكنولوجيات الوقت المناسب قلل من الحاجة إلى ضبط المخزونات. تفسير آخر هو التحول الهيكلي للاقتصاد نحو الخدمات. الطلب على فصول الغزل، والاستشارات الإدارية، والكاريوكي، والجراحة التجميلية ربما يتذبذب مع الاقتصاد الكلي، لكن على عكس مصانع الصلب ومصانع السيارات، ليس لديها ديناميات دورية كبيرة خاصة بها.
التفسير الثالث وربما الأكثر أهمية هو نجاح المصارف المركزية في تثبيت التضخم وتفادي دورات الطفرة والكساد. معظم فترات الركود في الولايات المتحدة في سنوات ما بعد الحرب بدأت عندما أصبح الاقتصاد ساخنا للغاية، وارتفع التضخم وزاد الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لتخفيض الطلب. لقد مرت عقود منذ آخر فترة ركود. في الآونة الأخيرة، ظلت المصارف المركزية تعاني عدم وجود التضخم ـ ليس أكثر من اللازم.
عندما لا يخاف صناع السياسة من التضخم، يمكنهم توفير حوافز لتعويض التباطؤ. في الواقع، يتمثل الخطر في أنهم يفتقرون إلى الذخيرة لمواجهة الصدمات الحقيقية، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو تعريفات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على الصين. لكنهم بالتأكيد يحاولون. مجلس الاحتياطي الفيدرالي يخفض أسعار الفائدة، فيتكرر الأمر في الهند وتايلاند والفلبين ونيوزيلندا وغيرها في آب (أغسطس) وحده. التحفيز المالي في الطريق إلى كوريا والمملكة المتحدة. والصين مستعدة لبذل مزيد من الجهد.
هذا هو المكان الذي تختل فيه كثير من توقعات الركود. عندما يكون التهديد واضحا، تصل الاستجابة السياسية مقدما. الرهان على أن يتحول التباطؤ العالمي الحالي إلى ركود عالمي هو جزئيا رهان على فشل جهود التحفيز الحالية.
من السهل اتباع هذه الحجة وتحويلها إلى مغالطة: سيتصرف صناع السياسة لمنع الركود، لذلك لا يمكن حدوث ركود خطير. في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، كان هناك كثير من الغطرسة على طول هذه الخطوط - لكن كان عام 2008-2009 عام تصحيح وحشي. بدأ الركود في القطاع المالي، مع قروض الرهن العقاري والإسكان، تماما كما بدأ الركود في عام 2001 بانفجار فقاعة الدوت كوم.
الدورة التجارية ربما تكون قد تراجعت لكن الدورة المالية لهيمان مينسكي لا تزال في صفنا. التمويل هو المصدر الأكثر ترجيحا للانكماش المقبل، عندما يجيء.
إذا كان من الصعب التنبؤ بالتقلبات الاقتصادية الحقيقية، فإن تحديد توقيت الأزمة المالية سيكون أقرب إلى المستحيل. ربما يلاحظ المحللون اختلالات في الأسواق، لكنهم لا يستطيعون إلا أن يخمنوا متى وكيف ستنحل. هناك بعض الدلائل على تأخرنا في الدورة الحالية. تقييم الأصول مرتفع بالمعايير التاريخية. الدين الخاص ارتفع كثيرا في الصين وبعض الاقتصادات المحيطة. إدارة ترمب تتراجع عن التنظيم المالي. كل هذا يزيد حدوث الخطر. لكن علامات الإجهاد التي تسبق الأزمة في كثير من الأحيان - حماسة جامحة أو تزايد حالات الإعسار - ليست واضحة.
لا شيء من ذلك يعني عدم حدوث ركود - عدم القدرة على التنبؤ هو بيت القصيد - لكن استنادا إلى نمط فترات الركود الأخيرة، هناك علامة ضئيلة على أن هناك ركودا بالفعل على وشك الحدوث. الأمر المؤكد هو أن الركود الاقتصادي في ظل الظروف الحالية سيكون من الصعب محاربته على نحو استثنائي. من المحتمل أن يكون هذا هو نمط الركود في المستقبل: نادر ومخيف.
 

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES