منحنى العائد كمؤشر اقتصادي

|


هوت الأسهم الأمريكية قبل أسبوعين في يوم واحد أكثر من 800 نقطة بسبب تراجع عائد أحد السندات طويلة الأجل مقارنة بإحدى نظيراتها متوسطة الأجل. وتجلب تقلبات ومعدلات عوائد السندات اهتمام الأسواق في الدول المتطورة وتؤثر فيها بقوة. والعائد على السند هو دخل السند "الفائدة" على سعره. ويتم رسم منحنيات لمعدلات العائد على السندات لقراءة توقعات الأسواق والمستثمرين حول المتغيرات الاقتصادية. ومنحنى العائد هو خط بياني يرسم معدلات العائد لسندات معينة بمدد استحقاق مختلفة. وتستخدم معدلات العائد لتوقع تغيرات نمو الناتج المحلي الإجمالي. ويعكس منحنى العائد شعور الأسواق حول الأوضاع الاقتصادية وتصرف المستثمرين حيال النشاط الاقتصادي.
تأتي سندات الخزانة الأمريكية كأبرز أنواع السندات في العالم وأكثرها تداولا، نظرا لمكانة الاقتصاد الأمريكي وقوته، وعمق أسواقه المالية، وتوافر البيانات بشفافية ومصداقية كبيرة لأسواق السندات والاقتصاد الأمريكي. وتصدر السندات الأمريكية بمدد استحقاق مختلفة أبرزها مدد ثلاثة أشهر، وسنة، وسنتين، وخمس سنوات، وعشر سنوات، و30 عاما. ترتفع عادة معدلات الفائدة مع طول مدة الاستحقاق؛ فعائد سندات عشر سنوات أعلى من نظيره لسندات سنتين. وتستخدم الأسواق المالية معدلات الفائدة على السندات كأساس لتحديد معدلات الفائدة على السندات الخاصة والقروض في الأسواق حتى معدلات الربح في القروض الإسلامية، لهذا فإن تغيرها ينعكس على النشاط الاقتصادي. وتحدد معدلات الفائدة على السندات الأمريكية كأساس لمعظم تكاليف الإقراض في مختلف دول العالم.
تنشر وزارة الخزانة الأمريكية معدلات العائد على السندات بشكل يومي، وهي منخفضة في الوقت الحالي حيث تقارب 2 في المائة أو تقل بعض الشيء لبعض السندات وتزيد قليلا للسندات طويلة الأجل. وفي الأوضاع الاقتصادية الطبيعية هناك مخاطر أكبر عند الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل مقارنة بمخاطر الاحتفاظ بالسندات قصيرة الأجل، كما لا يستطيع المستثمر استرجاع أصل السند لفترة أطول.
يشير شكل منحنى العائد إلى بعض الخصائص الاقتصادية فعندما يكون متصاعدا يسمى الطبيعي أو الإيجابي. تتوقع الأسواق أن الأوضاع الاقتصادية جيدة عندما يكون منحنى العائد طبيعيا، وبهذا ترتفع معدلات الفائدة للسندات طويلة الأجل مقارنة بقصيرة الأجل. أما عندما يكون منحنى العائد مستقيما أو أفقيا بشكل تقريبي فهو يوضح توقع الأسواق بقاء معدلات الفائدة مستقرة في الأمدين القصير والطويل الأجل. ويحدث هذا عادة عند اقتراب حدوث ركود اقتصادي وتخوف الأسواق من المخاطر المستقبلية ما يسبب انتقال الاستثمارات إلى أوعية أقل مخاطرة. وتتدفق الأموال إلى أسواق سندات الخزانة الأقل مخاطرة في حالة توقع تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع مخاطر الاستثمار الأخرى.
من جهة أخرى قد تتسبب توقعات تراجع معدلات التضخم في المستقبل أو ارتفاع معدل الفائدة الأساسي في المستقبل القريب أيضا في بقاء منحنى العائد مستقيما. أما إذا كان منحنى العائد تنازليا أو منعكسا فالأسواق تتوقع تراجع معدلات الفائدة على الأمد الطويل، ويرى كثيرون أنه مؤشر قوي على دنو حصول ركود اقتصادي. يتم التركيز عادة على مراقبة العلاقة بين منحنيي عائد سندات سنتين وعائد سندات عشر سنوات. ففي حالة المنحنى المنعكس تقل معدلات العائد على سندات السنوات العشر عن منحنى عائد سندات السنتين وهو مؤشر شبه مؤكد لحصول ركود اقتصادي خلال فترة وجيزة أو خلال عام تقريبا. وقد حدث هذا بشكل تقريبي قبل كل ركود اقتصادي في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
يتأثر العائد بالطلب على السندات مختلفة الاستحقاق التي تعكس توقعات المستثمرين عند لحظة تبادل السندات. وتعكس توقعات المستثمرين تصورهم عن الأوضاع الاقتصادية الحالية والمستقبلية. فعند توقع المستثمرين حصول تراجع اقتصادي يسود اعتقاد أن معدلات الفائدة ستتراجع بسبب تراجع الطلب على النقود خلال الركود الاقتصادي. وهذا يدفعهم أكثر للاستثمار في السندات طويلة الأجل لضمان عائد مستقر لمدة أطول ما يرفع الطلب على السندات طويلة الأجل ويزيد أسعارها. ويقود ارتفاع أسعار هذه السندات إلى تراجع العائد عليها. أما الاستثمار في السندات الأقصر أجلا فيتراجع الأمر الذي يخفض أسعارها ويقود بالتالي إلى ارتفاع العائد عليها.
توضح معدلات العائد على السندات الأمريكية في الوقت الحالي أن معدلات عائد السندات متوسطة الأجل تقل عن معدلات عائد السندات قصيرة الأجل، ما يشير إلى توقع الأسواق تراجع معدلات الفائدة في الأجل المتوسط مقارنة بالأجل القصير. ولعل السؤال الذي يبرز هذه الأيام: هل ستستمر العلاقة بين انعكاس معدلات العائد وحصول ركود اقتصادي أم لا؟ معظم المراقبين يرون أن هذه العلاقة ستستمر، بينما يرى آخرون أن تغيرات السياسة النقدية والتيسير الكمي للنقود قد تضعف من هذه العلاقة وهو ما يجعلها غير حاسمة في توقعات حدوث ركود اقتصادي.

إنشرها