FINANCIAL TIMES

علينا ابتكار عبوات حليب صديقة للبيئة طلبا للسلامة

تقنية شركة تيترا باك جعلت هانس راوزينج من أصحاب المليارات، وهو سليل العائلة المؤسسة السويدية للشركة الذي توفي الأسبوع الماضي عن عمر يناهز 93 عاما.
العبوات الكرتونية من شركة تيترا باك المصنوعة من طبقات الورق المقوى والبولي إيثيلين سرعان ما حلت محل الزجاجات لأنها كان أخف بكثير ويمكن تكديسها وتوزيعها بسهولة.
تبع ذلك عام 1961 عبواتها الكرتونية المعقمة مع طبقة من رقائق الألمنيوم، ما سمح للحليب المعالج حراريا بالبقاء طازجا. وعلى الرغم من العيوب التي تشوب تلك التقنية فقد توفي راوزينج في اللحظة التي أصبحت فيها عيوب البلاستيك واضحة بشكل يبعث على الكآبة. مكب النفايات مليء بالعبوات الزجاجية والكرتونية وتريليونات القطع البلاستيكية تطفو في محيطات العالم. ماذا سيحدث لعبوات شركة تيترا باك البالغ عددها 189 مليارا المصنوعة في العام الماضي فحسب عند التخلص منها؟
شركات صناعة الكرتون مثل تيترا باك وسيج كومبيبلوك الألمانية بعيدة كل البعد عن أن تكون هي المساهمة الوحيدة في تضخيم أحجام نفايات التغليف.
في بعض النواحي هي تشجع على إعادة التدوير، لكن صعود الكرتون يظهر مدى تعقيد وصعوبة التحدي البيئي.
الحجة لمصلحة استخدام العبوات الكرتونية بسيطة: ربما تكون أفضل من البدائل. ذلك أن من السهل نقلها فقد توصلت دراسة لشركات صناعة الكرتون الألمانية إلى أن تأثيرها المناخي أقل بنسبة 78 في المائة من العبوات الزجاجية.
وتحتوي أيضا على 75 في المائة من الورق و20 في المائة فقط من البلاستيك.
عند جمعها وإعادتها إلى مصنع مختص، لتصبح أيضا قابلة لإعادة التدوير إلى حد ما.
طبقاتها المختلفة تنفصل إلى ألياف من الورق والبلاستيك والألمنيوم عند وضعها في السائل، ما يسمح بخلط الألياف الورقية مع لب الخشب البكر، وتحويلها إلى عبوات من الورق المقوى والأنسجة وما إلى ذلك.
هذه هي الأخبار الجيدة؛ الباقي أقل مدعاة للتفاؤل. أولا إعادة التدوير بعيدة عن كونها شاملة حتى في أوروبا التي تتمتع بسجل أفضل من الولايات المتحدة.
تم تدوير 47 في المائة فقط من المواد من عبوات المشروبات البالغ عددها 37 مليار علبة صنعت للبلدان الأوروبية عام 2016.
العبوات الكرتونية أيضا عرضة لمفارقة أوسع مع تقدم الاقتصادات، يغلب على الناس إعادة التدوير أكثر بيد أن ذلك يترافق أيضا مع استهلاك مزيد.
معدل إعادة التدوير الإجمالي للعبوات في كرواتيا بلغ 55 في المائة عام 2016، مقارنة بنسبة 71 في المائة في ألمانيا، لكن الألماني العادي يولد أربعة أضعاف من نفايات التغليف من الكرواتي العادي.
هذا احتمال مخيف على نطاق عالمي. تشير تقديرات شركة ماكينزي الاستشارية إلى أن الصين ستشكل 28 في المائة من سوق التغليف العالمية بحلول عام 2022، وأن الاقتصادات الناشئة مثل فيتنام ستعاني إغراقا واسعا للسوق، ليس من العبوات البلاستيكية فحسب، بل أيضا من الكرتونية كذلك.
ثانيا إعادة تدوير الورق المقوى أسهل من البلاستيك فمحتوى الألمنيوم لا يتجاوز نسبة 4 في المائة من عبوات الكرتون المعقمة.
من الناحية النظرية، يمكن تحويل البلاستيك وألياف الألمنيوم التي تنشأ من مزيج الكرتون القديم إلى استخدامات أخرى - المعدن يمكن أن يصبح مادة لبلاط الأسقف، في حين يمكن صهر البوليمر إلى حبيبات لتسخين الغاز أو البخار.
من الناحية العملية لا يحدث هذا إلا بشكل متقطع وكما أوضحت إحدى الدراسات، فإن "إعادة التدوير الكاملة بالمعنى الدقيق للكلمة غير ممكنة حاليا لعبوات المشروبات الكرتونية".
يتم تأمين علبة الكرتون وصنعها بعناية غالبا مع غطاء بلاستيكي وقشة مثبتة على الجانب فما نجحت شركة تيترا باك في جمعه ليس من السهل تفكيكه.
وعي المستهلكين بالنفايات البلاستيكية يزيد بشكل حاد، وذلك بفضل الحملات ضد تلوث المحيطات.
على أن الناس لا يزالون يحبون الراحة التي تجلبها العبوات الكرتونية وتقدم كثيرا من الفوائد، بما في ذلك الوصول إلى الحليب الطازج والعصير في البلدان التي لا توجد بها سلاسل توريد متطورة وثلاجات.
هذا يعني أن شركات مثل تيترا باك بحاجة إلى بذل مزيد من الجهد لجعل منتجاتها ليست مفيدة فحسب، بل مستدامة أيضا.
على المدى القصير، يتضمن ذلك روابط أقوى مع مصانع إعادة التدوير وشركات النفايات، لضمان أن العبوات التي تدخل العالم ستعاد إلى المصانع ويعاد استخدامها.
وافقت شركة تيترا باك العام الماضي على شراكة مع مجموعة فيوليا لإدارة النفايات في فرنسا لإعادة تدوير مزيد من ألياف البوليمر والألمنيوم من العبوات الكرتونية للاستخدام الصناعي في أوروبا.
جنبا إلى جنب مع شركات صناعة الكرتون الأخرى، تزيد استخدامها للمواد الخام المعاد تدويرها والمعتمدة بيئيا أيضا، مثل لب الخشب من الغابات المعتمدة.
على المدى الطويل، تواجه الشركة تحديا تكنولوجيا ضخما للحصول على ما تقول إنه هدفها النهائي: وهو إنشاء علب كرتونية مصنوعة بالكامل من مواد قابلة للتجديد، بما في ذلك البلاستيك المعاد تدويره.
بعد ذلك لن تكون علب الكرتون بحاجة إلى إمدادات جديدة من البوليمر المأخوذ من مصافي النفط والغاز.
هذا أمر يبدو غير محتمل، لكن الابتكار في علم المواد كان هو الشيء الذي جعل من الممكن أصلا صناعة علبة كرتون الحليب.
هذا أيضا استغرق وقتا طويلا لإتقانه كي ينتقل من الفكرة الأولى لصنع كرتون من الورق رباعي الأوجه عام 1944، وصولا إلى صناعة العلب المعقمة بعد 17 عاما من ذلك.
وكما لاحظ روبين، والد هانس راوزينج فإن: "القيام بشيء لم يقم به أحد آخر من قبل، هو في الواقع عمل شاق".
تبين أن الكرتون المؤلف من عدة طبقات هو اختراع ذو فائدة أكبر بكثير مما أدرك حتى راوزينج في ذلك الحين.
على أن مثل القوارير البلاستيكية وعلب الألمنيوم كان معيبا، من هنا فإن تحويله إلى شيء أفضل لمصلحة البيئة هو مشروع يجدر القيام به.
عبوة الحليب الكرتونية المتواضعة هي جزء من حياتنا منذ فترة طويلة لدرجة أن من السهل أن ننسى أنها كان معجزة، عندما ظهرت في حياتنا لأول مرة عام 1952.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES