FINANCIAL TIMES

تأملات صحافي بريطاني يغادر بروكسل عشية «بريكست»

خلال عام 2015، كانت الحرب الأهلية الوحشية التي يشنها نظام الأسد على شعبه، تبدو بعيدة في سورية فقد بدأت قبل أربعة أعوام، لتقلب سياسة أوروبا رأسا على عقب: في غضون بضعة أشهر، دخل أكثر من مليون طالب لجوء سياسي إلى الاتحاد الأوروبي برا وبحرا. مئات الآلاف هربوا من العنف في سورية، بينما جاء آخرون من أفغانستان والعراق.
أزمة اللاجئين أظهرت انقسامات حادة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حول كيفية الرد. المجر كانت قد أنشأت سياجا من الأسلاك الشائكة على حدودها مع صربيا، واستخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لصد المهاجرين من التسلل عبر الحدود.

ألمانيا تفتح أحضانها للمهاجرين
في ألمانيا، أعلنت ميركل أن جميع طالبي اللجوء السياسي السوريين موضع ترحيب، بغض النظر عن بلدان الاتحاد الأوروبي التي كانوا قد دخلوها أولا.
بحلول أوائل عام 2016، كان النظام يعود إلى حالته الأولى ولكن ببطء. عادت القيود على الحدود التي كانت مفتوحة على طول درب المهاجرين.
المشروع الأوروبي بدا ضعيفا ومكشوفا بشكل حاد. التنبؤات بالويل والثبور كانت منتشرة.
وكانت بريطانيا بعيدة إلى حد كبير عن أسوأ الأمور، حيث تلقت عددا من طلبات اللجوء السياسي أقل من ألمانيا أو إيطاليا أو المجر أو السويد.
على أن استفتاء بريطانيا حول العضوية في الاتحاد الأوروبي كان يلوح في الأفق. أعلنت مجلة ذا سبكتيتر The Spectator: "البقاء أو المغادرة، أوروبا تغرق على أي حال".
بالنسبة إلي، هذا الفصل بالذات كان ذا طابع شخصي أكثر.
والدتي تركية. كانت أنقرة موطن عائلتي منذ سن العاشرة.
مع تطور الأحداث، كنت أكتب المقالات من الحدود السورية، والجزر اليونانية وعلى طول درب المهاجرين.

مأساة الطفل السوري-الكردي
تم العثور على إعلان كردي، الطفل السوري الذي أصبح جسده الصغير الغارق بمنزلة صورة الأزمة، على أحد الشواطئ على مسافة قريبة من منزلنا الصيفي. حتى عند الكتابة في بروكسل البعيدة، في بعض الأوقات كانت تغلبني المشاعر.
الظروف على الجزر اليونانية كانت (وما زالت) نوعا من الفضيحة. في وقت مبكر، رأيت أطفالا يتزاحمون في فندق كابتن إلياس Captain Elias، وهو فندق نتن مهجور في جزيرة كوس دون ماء أو كهرباء.
عند المدخل، اسمي درباس، وهي أم من دمشق، أمسكت ذراعي لتسأل عن سبب حجب الأموال التي تم تحويلها إليها: "حتى في سورية هذا الأمر ينجح!" كان ذلك في حزيران (يونيو) من عام 2015، وكانت الأم درباس تسعى عن غير قصد إلى اللجوء في المنطقة المالية السوداء للاتحاد الأوروبي.
كانت اليونان تعاني الضوابط على رأس المال. حكايتا الدراما التوأم في أوروبا اصطدمتا ببعضهما بعضا.
بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، كان التحدي عميقا. كانت هذه أوروبا تحقق رسالتها لما بعد الحرب العالمية الثانية باعتبارها ملاذا آمنا، ومشروع سلام، مفتوحة للذين يهربون من الاضطهاد. على أنه في الوقت نفسه، لم أتردد في تعرية المشروع باعتباره ناقصا، ومختلا وظيفيا ومنقسما.
قمة آذار (مارس) من عام 2016 كانت نقطة تحول. لم يتم الاتفاق على النتيجة بطبيعة الحال إلا بعد قمة استمرت طوال الليل بدا كأنها فوضى دبلوماسية ملحمية.
كان هدف ميركل هو الوصول إلى اتفاق يتسم بالبساطة المذهلة: إعادة جميع المهاجرين الذين يصلون إلى الجزر اليونانية إلى "البلد الآمن" تركيا.
لوقف حافز القيام بالرحلة وتقويض التهريب ستتحول الجزر إلى نوع من المنطقة العازلة، التي كان من الصعب أكثر الوصول إلى القارة الأوروبية من خلالها.
في عشية القمة، هي ومارك روتي، رئيس الوزراء الهولندي التقيا مع رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو، لمناقشة الشرائط.
المفاوضات التي تسير على غير هدى فاجأت قادة الاتحاد الأوروبي الآخرين.
تساوي الحيوانات في المزرعة
في إشارة إلى جورج أورويل، قال رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك الغاضب للقادة: "جميع الحيوانات متساوية في مزرعتي".
في النهاية تمت الصفقة؛ أشاد بها أحد كبار المسؤولين باعتبارها أحد الأمثلة الأولى على قيام الاتحاد الأوروبي "بالتعامل بأسلوب السياسة الحقيقية".
بحلول وقت استفتاء بريطانيا في حزيران (يونيو) التالي، كانت أزمة الهجرة قد تراجعت.
بيد أن ظلها السياسي كان طويلا. كشف فاراج عن مُلصق تعرض للانتقاد على نطاق واسع قبل التصويت بفترة وجيزة، يُظهر طابورا طويلا من المهاجرين واللاجئين يعبرون الحدود بين كرواتيا وسلوفينيا عام 2015، مع العبارة التالية: "نقطة الانهيار. الاتحاد الأوروبي خذلنا جميعا".
من المستحيل معرفة ما إذا كان ذلك قد أدى إلى تأرجح الأصوات، لكن القضية بالتأكيد عززت وجهة النظر أن أوروبا هي مصدر للمشكلات، وليس للأمل.
عند رؤية الأمر من بروكسل، كان ما برز في أوائل عام 2016 كان عدم قدرة بريطانيا على إدراك الأمور. في الوقت الذي تزعزعت فيه الأُسس الأوروبية بشأن الهجرة، كانت بريطانيا تجرجر قادة الاتحاد الأوروبي إلى أزمة الاستفتاء الذاتي.
في شباط (فبراير) التالي، انتهت محاولة كاميرون لتأمين "صفقة جديدة" لبريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي - التي كان يرجو أن يفوز بها في الاستفتاء.
مساعيه الدبلوماسية لمدة ستة أشهر انتهت بنزاع على أمور تافهة نسبيا، مثل المزايا التي تُدفع لأطفال العاملين الذين يعيشون في الخارج. بالمجمل، وصلت إلى نحو 30 مليون جنيه من إنفاق بريطانيا سنويا – بحسب التقارير الحكومية، بالكاد هي خطأ. أخبرني أحد المسؤولين أن ميركل كانت تشعر بملل شديد، لدرجة أنها غادرت القمة لتجريب أطعمة شهية في كشك قريب.
كانت هناك عاصفة رهيبة في بروكسل ليلة الاستفتاء في بريطانيا. أصبحت السماء صافية عندما ذهبتُ إلى المكتب على الدراجة الهوائية في الساعة 4 صباحا، متحمسا للغاية. بحلول ذلك الوقت، كان واضحا أن حملة المغادرة قد نجحت. بعد أن كتبت المواضيع الإخبارية الأولى عن التصويت التاريخي، غمرتني نوبة عاطفية. لم تكن تتعلق بالمثالية الأوروبية، أو كراهية الـ"بريكست". بل كانت أكثر مللا وعمليا من ذلك: شعور بمدى التعقيد الذي سيكون عليه تفكيك أربعة عقود من تقاسم السلطة والقوانين والأسواق المشتركة، وأعوام طاقة مهدرة تنتج عن كل ذلك.

كيفية تحقيق "بريكست"

مُحادثتان تبرزان من الأشهر التي سبقت التصويت. أخبرني مؤيد جون ريدوود "بريكست": "نحن لسنا ثوريين"، قائلا إن خروج بريطانيا لا يتطلب التفاوض بموجب المادة 50.
يُمكن تحقيق الاستقلال خلال يوم واحد، كما قال، بدون تعطيل.
في الوقت نفسه قال السير إيفان روجرز، السفير البريطاني لدى الاتحاد الأوروبي، إن الأمر سيكون بمنزلة ثورة تستمر لعقد من الزمن، و"ممل وتقني بشكل مؤلم" على حد سواء. ليس من الصعب معرفة من تبين أنه أكثر صوابا.
بمجرد وصول "بريكست"، كان الجميع يتخبطون في الظلام. لم تكُن بريطانيا مستعدة ولم تكُن لديها خطة.
ذُكر مصطلح "الاتحاد الجمركي" فقط، على سبيل المثال –الذي لا يبدو أن الحكومة تستطيع التوقف عن مناقشته– في 150 مقالة صحافية في بريطانيا في الأشهر الستة التي سبقت التصويت. (يتضمن ذلك رسالة إلى صحيفة سيفنوكس كرونيكل من شخص اسمه فيرث من هالستيد).
"بريكست": مليون سؤال جنوني بلا إجابة
لم يكن الأمر يتعلق بجانب بريطانيا فقط، فالتخلص من الاتحاد الأوروبي كان أمرا مفروغا منه إلى حد كبير، من خلال ترسيخ أن ما يعنيه فصل دولة عضوة، فقد كان رحلة استشكاف "بروكسل": أيضا. في صباح يوم "بريكست" أخبرني أحد كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي: "أمامنا مليون سؤال جنوني، ولن تكون لدينا إجابات عليها في أي وقت قريب".
مع ذلك، ما يُمكن أن يُتقنه الاتحاد الأوروبي بسرعة هو العملية. تم تقرير كثير من ذلك - شروط الاتفاق مع بريطانيا "بريكست"، شروط التفاوض - حتى قبل التصويت.
بحلول الوقت الذي التقى فيه قادة الاتحاد الأوروبي في الـ29 من تموز (يونيو) التالي، بعد أيام قليلة من الاستفتاء، تم وضع خطوط الترام ولم يكن ذلك في مصلحة لندن.
بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، كان الحفاظ على الذات مهما في المقام الأول. الاتحاد الأوروبي لم يختر "البريكست" لكنهم سيقررون ما سيكون ممكنا في شروط الخروج أم لا؟.
لا يزال لدى بريطانيا فرصة لتشكيل مجريات الأحداث. كانت وستسمنستر بحاجة إلى أن يكون سريعا، تعرف ما تريده، وتختار. (انظر إلى ما حدث فعلا).

العشاء الأخير
عشاء كاميرون الأخير في القمة كان مهذبا بدرجة كافية، حتى إن أحد القادة غادر الاجتماع مُعلقا: "لا يُمكن قول سوى الأشياء اللطيفة فقط عن الأموات". لحظة تاريخية أخرى جاءت في اليوم التالي.
اجتمع الاتحاد الأوروبي بأعضائه الـ27 دون البريطانيين. تم تجاوز الحد الأدنى النفسي. بالنسبة إلى كثيرين في تلك الغرفة، خسر النادي عضوا الآن. قال قائد آخر: "البريكست حدث".
قبل نحو عامين، انتقلت اجتماعات المجلس الأوروبي إلى مكان جديد: مبنى أوروبي معروف أحيانا باسم "بيضة الفضاء".
في صور قاعة القمة، من الصعب رؤية شيء أبعد من تصميم جورج ميرانت متعدد الألوان الساطع. عند دخول الغرفة، فإن المساحة الفعلية هي ما تُذهلك فعلا.
الطاولة الدائرية صغيرة نسبيا. كان القادة يجلسون بشكل متقارب جدا. ما يزيد من الشعور الحميم هو الصوتيات الجيدة بلا كلل. الصمت كان ثقيلا.
دائما ما كنت أفكر بتلك الشدة عندما أتصور تيريزا ماي هناك، تعرض "بريكست" على الجمهور السياسي الأصعب في أوروبا. نادرا ما كانت تنحرف عن خطابها العام، وهو تكتيك مُهلك مع مثل هذه المجموعة. إحدى تلك اللحظات جاءت في نيسان (أبريل) من هذا العام، عندما ناقش الاتحاد الأوروبي تمديد الـ"بريكست".
فشلت السيدة ماي بشكل مذهل في الفوز بدعم مجلس العموم على مسودة اتفاقية الانسحاب. كانت بريطانيا قد حصلت في الأصل على تمديد قصير واحد، وكانت الآن تسعى إلى تمديد ثانٍ، اسميا لمنح السيدة ماي مزيدا من الوقت لبناء أغلبية.
إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، كان ضد ذلك بشدة. كان من رأيه أن الضغط الزمني من شأنه إجبار بريطانيا على اتخاذ قرار: المغادرة بطريقة منظمة، أو إلغاء المادة 50 أو مواجهة تعطيل عدم التوصل إلى صفقة. انقسمت القمة إلى مناقشات بين مجموعات صغيرة. ماكرون كان ضمن الأقلية، لكنه استحوذ على الكل.
الطرف الآخر كان توسك، الذي يدعو إلى تمديد يصل إلى عام، لتجنيب القادة من العودة إلى مناقشة الـ"بريكست" كل بضعة أسابيع.
كانت أمسية صعبة مُثيرة للتوتر. كانت هناك درجة غير عادية من الشعور بالمرارة والغضب. بعد ذلك مباشرة، وصف أحد القادة الغاضب من استعداد ماكرون للمقامرة بأنه: "مخمور بالسلطة". بعد مواجهة مشكلات "بريكست"، كانت ميركل تلجأ إلى أسلوبها المفضل في التعامل مع الأزمات: auf Sicht fahren أي القيادة حسب الرؤية، والتسلل إلى الأمام بقدر ما يُمكنك رؤيته فقط.
كان من رأيها أن مزيدا من الوقت هو الخيار الأكثر أمانا؛ ما يظهر اختلافات مع ماكرون بشكل مذهل.
مُنح التمديد حتى الـ31 من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.
قال توسك للبريطانيين: "لا تهدروا ذلك الوقت". بعض القادة يندمون على ذلك الآن. الرأي يتحرك لمصلحة ماكرون – كما هو حال نفوذه داخل النادي. مهما كان قرار بريطانيا في الأسابيع المقبلة، من المرجح أن يكون الاتحاد الأوروبي أقل تسامحا. بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، لم تفعل ذلك حتى الآن، لكن ميزان القوى في الاتحاد الأوروبي أصابه تغير عميق.

جونسون وباركر والأصول التركية


ستنتهى فترة عملي بحلول الوقت الذي يحضر فيه بوريس جونسون الزعيم البريطاني الجديد، الذي يعرف جيدا جهاز الصحافة في بروكسل، أول مؤتمر قمة له. (سبق لجونسون العمل طويلا مراسلا لأكثر من صحيفة لندنية في بروكسل، من ذي قبل).
أنا وجونسون لدينا أصول تركية، وما يثير الاستغراب أن أقاربنا كانوا صحافيين وكُتابا في إسطنبول في أواخر العهد العثماني.
بحسب معرفتي كان أحمد راسم وعلي كمال، قريبين للاثنين يمدحان بعضهما بعضا في مقالاتهما، على الرغم من أن كلا منهما انتهى بموقف معارض للآخر بشأن الثورة.
وفي حين أنني أؤيد تماما أن يحظى مراسلان سابقان إنجليزيان من أصول تركية في بروكسل بالشهرة والمنصب الرفيع، إلا أنني لا أحسد جونسون على مؤتمرات القمة التي سيحضرها، أو المؤتمرات التي يمكن أن يراقبها عن بُعد في أعقاب “بريكست”.
يمكن لهذه المؤتمرات أن تكون شاقة بما فيه الكفاية حين تكون عضوا في النادي. وسواء كنت داخل النادي أو خارجه، فإن المآزق ستظل هي نفسها، مثلما سيظل منظور بريطانيا إلى أوروبا لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
جان مونيه: “ثمن النصر – الوهم بأنك تستطيع مواصلة الاحتفاظ بما لديك، دون تغيير”.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES