المفقودات «المالية» الخمسة

|


يتفق خبراء التنمية الذاتية ومختصو علم النفس على أن القيمة والفائدة في الوسيلة وليست الغاية، وأن التعلم في طريقة الدراسة وليس الاختبار، وأن السعادة والراحة والسلام إحساس مستمر وليس نتيجة نصل إليها أو لا نصل. وكذلك الثقافة المالية، هي أسلوب حياة، وممارسة، وتعلم مستمر لا ينتهي، ونتيجتها تكون "تحصيل حاصل" إذا استمر الالتزام بمبادئها. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتجاهل الأسلوب والطريقة ونختصر عامل الزمن أو نتجاهله ثم نستخدم طريقا مختصرة تعطينا كل الجوائز والعوائد والأهداف المالية.
هناك مجموعة من الممارسات التي افتقدنا القيام بها صغارا وأخرى لا نمارسها حتى إذا كبرنا، هذه الممارسات هي التي تجعلنا بعيدين عن الثقافة المالية الشخصية المؤسسة بشكل جيد، وهي التي تدفعنا نحو محاولة الوصول إلى النتائج بشكل سريع. ومع الأسف، التعجل ومحاولة الحصول على علامات عالية في الاختبار دون دراسة جدية طوال العام ينتهيان بالغش أو نتائج جيدة على الورق فقط، أو الفشل. سأذكر خمسا من هذه الممارسات وهي ليست دعوة لاستدعائها فبعضها فات عليه الوقت أو غير مناسب لنا لكنها تساعد على فهم ما افتقدنا من السلوكيات المالية المعززة للتجربة والتعلم، وتقرب منا الحلول.
المفقود الأول هو الاستقلالية المالية للطفل، خصوصا أثناء المراحل الدراسية المبكرة. وهذه بكل تأكيد تأتي بشكل استقلالية تدريبية يمارس فيها الطفل عدة سلوكيات ويكتسب عددا لا يحصى من المهارات، من ذلك: التخطيط المالي واستيعاب البعد الزمني، أهمية الاحتفاظ والمحافظة، الالتزام وترويض الذات، وبالطبع الاستعداد للاستجابة للمحاسبة التي تكمل دورة المسؤولية الناشئة والجديدة. هناك من الأسر من تروج هذه الممارسات بشكل جيد بين أطفالها، لكن إجمالا يسيطر الآباء بشكل قوي على أطفالهم ماليا للدرجة التي تنسيهم إعطاء فسحة الاستقلالية المالية المهمة جدا لحياة الأطفال المستقبلية.
المفقود الثاني هو الاعتماد على الذات والاستقلالية الحياتية الجدية، وهذه لا تحصل إلا في وقت متأخر جدا. إذ يبدأ الاعتماد على الذات لدى بعض الشباب أثناء الدراسة الجامعية أو وقت الزواج وربما بعد ذلك، المطلوب أن يبدأ الشاب في مرحلة مبكرة، ربما من 15 سنة أو قبل، بالتدرب على الاعتماد على الذات وممارسة ذلك في فترة الثانوية وما بعدها بشكل جدي. هذا المفقود في رأيي الخاص يجمد الفرد ما يقارب العقد من عمره ويؤخر تفاعلاته المالية الحقيقية بالقدر نفسه. الاعتماد على الذات في وقت متأخر يجعل كل الخطوات التابعة له تأتي متأخرة؛ يضيع وقتا لا يستهان به في ضبط مهاراته المالية الأساسية، ثم يبدأ الادخار متأخرا، ويبدأ بفهم مبدأ تحسين الدخل فيمارسه متأخرا، وبالطبع عشرة أعوام تشكل فارقا كبيرا بالنسبة لحصد النتائج وتحسين الحياة المالية بعد التقاعد.
أما المفقود الثالث فهو طبيعة وجودة الحوافز المالية الموجودة في أماكن العمل. تخلو معظم الوظائف المحلية من برامج المنافع الجيدة طويلة الأجل التي تحفز وتحمس الموظفين للادخار وتدفعهم نحو اكتساب مزيد من المهارات المالية. بل على العكس تماما، تبنى بعض البدلات بطريقة مدمرة للسلوك المالي، إذ يصبح الانتداب منفعة شخصية رسمية، والبدل حق مكتسب بغض النظر عن فكرة التعويض العادل. وهذا النوع من الممارسات المفقودة في أماكن العمل يؤثر سلبا في السلوكين المالي والمهني معا، ويتجذر في الثقافة المؤسسية لدرجة يصعب استئصالها. المبشر في الأمر أن هناك اليوم عددا من الظروف والمسببات التي تحث الشركات وحتى الجهات الحكومية على تحسين منافع الموظفين، وضبط استغلال التعويضات، وتحسين الثقافة العامة المؤسسية.
تقديم الإقرار الضريبي الشخصي، وهو المفقود الرابع، يجبر الفرد على مراجعة مداخيله ومصروفاته المالية، ويجبره على أن يكون في موضع التقييم والمحاسبة المالية الذاتية بشكل دوري، ويجعله يتعرف على مجموعة من الحوافز والبنود المكلفة ضريبيا، فيصنع الفرد الرابط بينه وبين الاقتصاد، وهذا بكل تأكيد له دور كبير في تحسين الثقافة المالية والاقتصادية وتقوية حافز تحسين المهارات المالية. أنا لا أدعو إلى تطبيق نظام ضريبي معين للحصول على هذا المفقود، لكن أبين ما فقدناه بسبب غياب هذا السلوك الدوري الواعي. ميزته الأساسية أنه سلوك إجباري وليس أمرا يتطلب المبادرة والتعود وتهذيب النفس. هناك عدة إجراءات مشابهة يمكن عن طريقها تعزيز السلوكيات والمكتسبات نفسيهما، مثل مراجعة التقرير الائتماني الفردي بشكل دوري، أو ربط قسيمة الراتب وتقرير الائتمان على شكل تقرير موحد. أما المفقود الخامس والأخير فهو المستشار المالي الشخصي الذي يمكن الوصول إليه بسهولة ويؤسس بأجوبته لكثير من المبادئ المالية في أهم توقيت، وهو توقيت اتخاذ القرار المالي، سواء كان استثمارا أو ادخارا أو مصدرا مختلفا للدخل، نقوم وبشكل مستمر بالاعتماد على أنفسنا، لاتخاذ القرار المالي. وإذا حاولنا القيام بالحل البديل الأفضل، مع الأسف نضطر إلى الاستعانة بغير المؤهلين أو الأوفياء من أصدقائنا الذين يهتمون بأمرنا، لكن تجاربهم محدودة وتأسيسهم المالي ضعيف ومعرفتهم بالفرص متواضعة. ولأن البيئة المحلية تكاد تخلو من المستشار الجيد الذي يمكن الوصول إليه بتكلفة معقولة، فلا يوجد حل في الوقت الحالي إلا الاعتماد على أنفسنا بعد تعزيز ذلك بالتعلم السريع، وهذا يعني القراءة، والتحدث مع الأكفاء المتزنين، والابتعاد بقدر الإمكان عن مصادر التشويش.

إنشرها