ثقافة وفنون

الرسم بالضوء .. صندوق أسرار العالم

احتفل العالم بداية الأسبوع الماضي؛ 19 آب (أغسطس)، باليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي، الذي يصادف الذكرى 180 لأول اختراعه. قرر العالم أن يحتفي بفن الرسم بالضوء، كما يطلق عليه قديما، لأول مرة عام 2010 تقديرا لهذا الفن الذي نقل وقائع، ووثق رواده أحداثا غيّر بعضها مجرى التاريخ الإنساني.
تاريخيا، كان العالم على موعد مع أول صورة فوتوغرافية عام 1826، حين قام جوزيف نيبس بالتقاط صورة بواسطة تقنية الهولوجرافي، من أعلى بناء في منطقة بورجوندي في وسط فرنسا، واستغرق تكوينها نحو ثماني ساعات ثابتة، لتكون بذلك أول تقنية للتصوير تقوم بتركيز الضوء بكميات متناسبة مع نوع المعدن المستخدم.
واصل صديقه لويس داجير؛ بعد وفاته عام 1833، إدخال التحسينات على نظام التصوير الفوتوغرافي ليبتكر، بعد ست سنوات، نظام داجير، "الداجيروتيب". لكنه لم يسجل براءة اختراعه الثوري هذا، إلى أن قامت الحكومة الفرنسية في 19 آب (أغسطس) من العام ذاته بشراء براءة الاختراع، والإعلان عن ذلك بشكل رسمي، وأطلقت عليه اسم "الهدية التي كانت مجانية للعالم"، فيما عد الفرنسيون داجير بطلا قوميا لامعا.
بهذا التأريخ نكون أمام كرونولوجيا انتقائية لفن الرسم بالضوء، لأن الفكرة أقدم بكثير من هذا الاختزال، فهي نتيجة تداخل فيها عديد من الاكتشافات، فثمة إشارات تفيد بأن الفيلسوف الصيني موزي واليونانيين أرسطو وإقليدس وعالم البصريات العربي ابن الهيثم وبعض البيزنطيين قد وصفوا فكرة الكاميرا المظلمة والكاميرا ذات الثقب في تجاربهم.
في الجانب الآخر المتم للعملية، اخترع ألبيرتوس ماجنوس القديس الألماني نترات الفضة، واكتشف جورج فابريسيون عالم الآثار كلوريد الفضة، فيما وصف الكيميائي الجرماني يلهلم هومبرج عام 1694 كيف جعل الضوء بعض المواد الكيميائية مظلمة، مفسرا بذلك التأثير الضوئي الكيميائي، وجاء بعد ذلك يوهان هاينريش شولز بروفيسور التشريح عام 1727 ليثبت أن سواد الأملاح الفضية - ظاهرة معروفة منذ القرن الـ16 - كان سببه الضوء وليس الحرارة، وأظهر الحقيقة باستخدام أشعة الشمس لتسجيل الكلمات على الأملاح، لكنه لم يبذل أي جهد للحفاظ على الصور بشكل دائم.
بهذا يكون فن الفوتوغرافي؛ في نسخته الأولية القائمة على نظام الدايجروتيب، هو حصيلة الدمج بين عدة اختراعات عبر العصور؛ الغرفة المظلمة، والتقنية الثقبية، وتأثيرات المواد الكيميائية وتأثرها بالضوء، وفكرة الصندوق المعزول... بيد أن عملية داجير المعتمدة على الفلزات واجهت بعض العمليات المنافسة؛ بالتحديد من جانب وليام فوكس تالبوت المصور الإنجليري فيما يخص تظهير الصور؛ وهما عملية صوره السالبة والطباعة الملحية، اللتان قللتا من الوقت اللازم للتعرض للكاميرا من دقائق عديدة إلى بعض الثواني فقط، قبل أن يتحول الأمر إلى أجزاء صغيرة من الثانية.
أسهم عديد من التحسينات والابتكارات بعدها في تطوير عالم التصوير الفوتوغرافي، فظهرت فكرة الأفلام الملفوفة للاستخدام غير الرسمي، كما انتقل العالم من صور الأبيض والأسود نحو الصور الملونة لأول مرة مع الفيزيائي جيمس كليرك ماكسويل عام 1861، وقبله بأعوام بالضبط عام 1839 سُجِّل أول بورتريه في العالم؛ ليس سوى أول "سيلفي" بلغة العصر، بعدما قام المصور روبيرت كورنيليوس بالوقوف أمام عدسة الكاميرا لدقيقة كاملة، قبل أن يغطيها ليلتقط صورة لنفسه، جاء بعده بعام هيبوليت بايرد ليقوم بخطوة متمردة في عالم التصوير، بطرحه أول "صورة مخادعة" في العالم. أما أول صورة خبرية تستخدم في الأخبار، فيعتقد أنها التقطت عام 1847، وتؤرخ للحظة اعتقال رجل في فرنسا.
شكل الابتكار الفريد لجورج ايستمان عام 1888 ممثلا في آلة كوداك الشهيرة محطة استثنائية في مسار تطوير هذا الفن، فقد كانت أول كاميرا مزودة بفيلم ملفوف، وكان شعارهم حينها "اضغط الزر ونحن نقوم بالباقي". ثلاثة أعوام بعدها طور وليام لوري ديكسون كاميرا الصور المتحركة أثناء العمل، ما شكل لبنة أساسية في ظهور التصوير السينمائي، ليبدأ بعدها عهد جديد للتصوير ولتأثير الصورة في المجتمع، بعد ذلك ستطرح في الأسواق آلة تصوير صغيرة للجيب، تبعتها في عشرينيات القرن الماضي آلة التصوير ذات المنظار، وارتبط انتشار التصوير العائلي بظهور الآلات ذات "الفيلم 110" عام 1971، وقبلها ظهرت أول صورة رقمية عام 1957 تعمل بتقنية المسح الرقمي لصورة مأخوذة على الفيلم داخل الكاميرا مسبقا.
كان إدخال الكاميرات الإلكترونية الرقمية إلى الأسواق أواخر القرن المنصرم، ثورة في عالم التصوير، فقد تعدى المفهوم التقليدي المنحصر في التحميض والمواد الكيميائية والطباعة... وباقي الأساليب التي شكلت أسس قيام هذا الفن، نحو التصوير الرقمي ذي الفوائد الجمة.
انعكست هذه الطفرة بدورها على رموز هذا الفن، فقلما نجد من بيننا من يتذكر اسما لأحد المصورين العالميين أمثال لي جيفريز مصور الشحاذين أو الأمريكي جيل بورجيس مصور اللاجئين أو الفرنسي إيريك لافورجي الذي اشتهر بمصور أجمل العيون أو البريطاني جيمي نيلسون الذي تنقل بين 20 دولة في العالم قصد تصوير القبائل، أو الأمريكي ستيف ماكوري مصور "الفتاة الأفغانية" التي التقطها عام 1984، وغيرهم ممن خاطروا بحياتهم بغية نقل الحقيقة في شكل صورة إلى العالم، وقد نجح كثير منهم في ذلك، فما أكثر الصور التي وضعت حدا لمآس إنسانية مهمة لم يلتفت إليها أحد حتى نبهنا إليها المصورون.
تبقى مناسبة تخليد اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي فرصة أمام كل واحد منا وهو يهم بإخراج هاتفه من جيبه، قصد التقاط عديد من الصور في أي مكان يحل فيه؛ من أجل انتقاء أجودها لاحقا، للتفكير مليا في أن ما يقوم به لم يكن سهلا إطلاقا حين اختُرعت أول آلة تصوير فوتوغرافي، فقد كان الأمر يتطلب عناية خاصة ووقتا طويلا لإخراج صورة واحدة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون