إبادة الكائنات باسم «الرجولة»

|


لقد جاء في الأثر "علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية". لكن هذا لا يعني إبادة الكائنات الحية بهمجية ودون اكتراث، وأهم من ذلك دون مبرر، أي دون الحاجة إلى لحومها أو الاستفادة من ريشها وأصوافها. إن قيم الرماية والفروسية لدى العربي تنبع من طبيعة الحياة الصحراوية القاسية التي تتطلب الإلمام بهذه المهارات من أجل البقاء وحماية الأسرة من الأعداء في الصحاري المفتوحة التي تفتقر إلى الأمن، وتنتشر فيها المجاعات والسنوات العجاف من فترة إلى أخرى. أما في الوقت الحاضر فقد توافرت الخيرات -بحمد لله- من كل بقاع العالم، واستتب الأمن في أرجاء البلاد، وأصبح كثير من الحيوانات والطيور والكائنات الحية مهددا بالانقراض نتيجة الممارسات الجائرة مثل القنص والرعي والاحتطاب، وما نتج عنها من تدمير هائل للبيئة الصحراوية. قيم القنص ومهاراته التي تعكس الشجاعة والقدرة على المشي لمسافات طويلة، وصعود الجبال، إلى جانب مهارات التعايش مع الصحراء، لم تعد ضرورية للقنص الجائر أو الاحتطاب الجائر أو الرعي الجائر في الوقت الحاضر، فقد كان الرعي في أعماق الصحراء من الأمور شبه المستحيلة، إلا في أوقات الشتاء، لصعوبة نقل المياه إلى جوف الصحراء، خاصة مع تزايد الحاجة إليها في أوقات الصيف الحارة، وهو ما حد من التوغل في البراري البعيدة، وجعلها محميات طبيعية بعيدة عن الرعي أو القنص باستخدام التقنيات ووسائل النقل الحديثة.
من فترة إلى أخرى، يتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع لإبادة وحشية للطيور المهاجرة أو الكائنات الصغيرة والزواحف، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد التدمير والإبادة إلى بعض الدول الإفريقية الفقيرة، فتحولت رحلات القنص من المتعة والقنص المعقول إلى المباهاة و"الهياط" بأكبر عدد من الطيور أو الغزلان تتم إبادتها يوميا. فعلى سبيل المثال، يتباهى بعض الأشخاص في مقطع انتشر قبل أيام بإبادة 1420 طائرا في يوم واحد وقتل تمساح وأكله وتبرير ذلك من الناحية الدينية. وبالعقل والمنطق، لو استمرت ممارسات هؤلاء الشباب وغيرهم بقنص هذه الأعداد الهائلة دون حاجة ماسة إلى الغذاء هل ستستمر الحياة الفطرية على حالها؟ أجزم أننا سنودع آخر الطيور والتماسيح والضباع قريبا مع استمرار هذا الإرهاب البيئي الذي لا يعكس وعيا بيئيا سويا.
السؤال المهم الذي يبرز في الذهن، هل نحن بحاجة إلى إعادة النظر في قيم تنشئة أطفالنا وماهية القيم الدينية والإنسانية والمجتمعية التي ينبغي غرسها في نفوس أبنائنا؟ فلم يعد مفهوم "الرجولة" باستخدام التقنيات الحديثة، وسيارات الدفع الرباعي، والاستعانة بالأدلاء العارفين بالمناطق البرية لتسجيل مقاطع فيديو توثق أعداد الطيور والتماسيح والضباع والغزلان التي تتم إبادتها، ليس بسلاح وأجهزة اتصال صنعناها، ولا بسيارات اخترعناها، ولا بخرائط خططناها. إذن على أي أساس نتباهى ونفتخر؟ وبأي منطق نقضي على الكائنات بأعداد كبيرة؟
كنت في بداية حياتي من هواة الرماية والقنص المعقول، لكنني كلما أرى ممارسات الشباب الجائرة في حق الكائنات، أزداد ابتعادا وكرها لهذه الهواية، وأحاول التوعية بضرورة الحد من ممارستها بين أبنائي وأقاربي. لقد تجاوزت ممارسات الشباب حدود العقل والمنطق والقيم الإسلامية التي تدعو إلى إعمار الأرض والرفق بالكائنات. وأخشى من إساءة هذه الممارسات الوحشية في الداخل والخارج، لسمعة بلادنا الطيبة على المدى الطويل.
ختاما، الأمر لا يخلو من إضاءة أمل، ونور في نهاية النفق، فهناك وعي متنام بين الشباب لإعادة تشجير بعض المناطق الصحراوية، والإسهام في تكاثر بعض الحيوانات في محميات شخصية، ومن ثم إطلاقها في بيئاتها الصحراوية، ويبرز ذلك جليا في جمعيات أصدقاء البيئة المنتشرة في معظم المناطق والمحافظات التي تستحق الدعم والتشجيع من القطاعين العام والخاص.

إنشرها