ثقافة وفنون

«سوق عكاظ» تلم شمل العرب على أرضها بعد غياب 1500 عام

أعادت سوق عكاظ في مدينة الطائف لم شمل العرب على أرضها، بعد غياب استمر نحو 1500 عام، بعد أن تضمن "حي العرب" في حلة السوق الجديدة 11 دولة عربية، أعادت مد جسور الثقافة بين الشعوب، وعرفت الزوار بتراثها وصناعاتها ومأكولاتها وفنونها الشعبية.
استحقت الطائف هذا العام أن تحمل لقب "مصيف العرب"، التي توقع لها الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة، أن تكون ملتقى العرب الأول، في جميع المجالات سواء الفكرية أو الثقافية أو الاقتصادية، متمنيا في ختام حفل سوق عكاظ الـ13 مساء أمس الأول أن تُرى السوق وقد استعادت مكانتها الحضارية، لكن بحلة جديدة، وفي تصور جديد، يواكب العصر الحاضر والمستقبل.

أوبريت تاريخي
في كل عام، منذ 13 عاما حتى اليوم، تفاجئ سوق عكاظ حضورها بحفل تاريخي، يتضمن أوبريتا بلوحة تراثية موسيقية تحاكي العصور القديمة، ومجد السوق التليد، ليكون الأوبريت إطلاقا لفعاليات السوق، التي يرعاها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.
حمل الأوبريت الغنائي عنوان "عرب 501"، استحضر خلاله بدايات نشأة سوق عكاظ قبل 1500 عام، مرورا بالتحولات التي شهدتها السوق منذ نشأتها، والنقلات الحضارية التي شهدها العرب بعد بزوغ الإسلام، وانتهاء بما شهدته اللغة العربية وظهور مزيد من اللهجات، وتعدد الثقافات والفنون في مختلف الشعوب العربية، حيث تعد سوق عكاظ إحدى الأسواق الثلاث الكبرى في عصر ما قبل الإسلام إضافة إلى سوق مجنّة وسوق ذي المجاز، وفيها كانت العرب تصدح شعرا وأدبا، وتأتيها لمدة 20 يوما، من أول ذي القعدة إلى يوم 20 من الشهر. غنّى في الأوبريت محمد عبده فنان العرب، وكارول سماحة الفنانة اللبنانية، التي أدت مقطعا من الأوبريت وسط إيقاعات تراثية جميلة، وبعدها صعد كاظم الساهر الفنان العراقي على المسرح بأداء وتناغم الفرق المشاركة في الأوبريت.
واختُتمت عروض الأوبريت بكلمات الأمير خالد الفيصل، وأداء المنشد فهد مطر.

شاعر عكاظ
في سوق عكاظ، التي تقام للمرة الأولى ضمن فعاليات موسم الطائف، أُعلن في حفل الافتتاح فوز محمد إبراهيم يعقوب من السعودية بـ"جائزة عكاظ"، ومبلغ مليون ريال سعودي، حيث توشح "بردة عكاظ"، وهو الشاعر الذي لقي تفاعلا كبيرا على منصات التواصل الاجتماعي، لشعره الذي لامس مشاعر الملايين وقلوبهم، فيما حصل عبدالله محمد عبيد على المركز الثاني وجائزة بقيمة نصف مليون ريال و"وشاح عكاظ"، وحصد المركز الثالث الشاعر شتيوي الغيثي بقيمة 250 ألف ريال و"وشاح عكاظ".

فتيان عكاظ
السوق في عامها الـ13 ارتدت حلة جديدة تليق بضيوفها، تضمنت سوقا تاريخية، وفعاليات فتيان عكاظ، وفرسان عكاظ، وساحة اللغة والثقافة، وساحة الموسيقى، مع تطوير جادة عكاظ، إضافة إلى إثراء المنطقة المخصصة للأسر المنتجة، والمطاعم، والمقاهي، إلى جانب المسرح الرئيس الذي يستوعب 2800 مشاهد، وحي العرب الذي يضم أجنحة لـ11 دولة عربية، هي الإمارات، البحرين، الكويت، عُمان، العراق، الأردن، مصر، لبنان، تونس، المغرب والسعودية، بهدف تعزيز مكانة الطائف كمصيف للعرب وواحدة من أهم الوجهات السياحية العربية، كما شهدت مشاركة للقوات البرية بجناح، تستعرض من خلاله بطولات الحد الجنوبي.
وتضمن الجناح السعودي نحو 34 قطعة أثرية مُكتشفة في المملكة، تغطي الفترات التي امتدت من العصر الحجري الحديث بنحو خمسة آلاف سنة قبل الميلاد إلى العصور القديمة السابقة للإسلام، تليها حضارات الممالك العربية المبكرة، والوسيطة والمتأخرة، مرورا بالفترة الإسلامية، والفترة الإسلامية الوسيطة، حتى نشأة الدولة السعودية بأطوارها الثلاثة إلى عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، وقد اكتُشفت المجموعة الأثرية المعروضة في مواقع مهمة في ذلك الوقت وتشمل، الفاو، والعلا، وتيماء، ونجران، التي تُعد بمواقعها الجغرافية محطات توقف على أهم الخطوط التجارية الرئيسة، في حين تحمل هذه القطع الثرية أهمية ثقافية وفنية وتاريخية وعلمية، خاصة في مجال تحليل ودراسة تاريخ التجارة وطرق القوافل والآثار في الجزيرة العربية.

عروض على مدار الساعة
الفنون والفعاليات على خشبة المسرح لا تهدأ، تتوالى عليها الفرق الشعبية التي تمثل عددا من الدول المشاركة في سوق عكاظ لتعرض ألوانا من الفنون، فتبدأ فرق السعودية بألوان المزمار، والخبيتي، والينبعاوي، والليوة، والخطوة، والدوسري، والسامري.
الفرقة المغربية كانت حاضرة بقوة لتعبر عن التراث المغربي بلوحات راقصة من الطبيعة مثل: ركوب الخيل والحصاد والصيد، وألوان متنوعة من الفلكلور المغربي، منها رقصة عبيدات الرما، ورقصة الكناوي، ورقصة عيساوة، وغيرها من الرقصات المغربية، ثم تتوالى الفرق الشعبية التي تمثل فن الدول المشاركة وثقافتها.
وفي جادة عكاظ، يشارك مئات الممثلين المحترفين، الذين يرتدون الملابس التراثية القديمة ويتكلمون العربية الفصحى، وكأنهم قادمون من رحابة التاريخ والتراث العريق، يجسدون شخصيات مثل النابغة الذبياني وامرئ القيس وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد وقس بن ساعدة والأعشى وعنترة بن شداد، ويعيدون إلى الأذهان مبارزات الفرسان بالسيوف والرماح مع انطلاقة الخيول والهجانة ومسيرة القوافل واستقبال الوفود، واستعراض عقد الصفقات والمزادات التجارية قديما.

الرسم المباشر
من أبرز سمات سوق عكاظ، أنها تعرّف ضيوفها بالفنون المختلفة، وتمنحهم فرصة التمتع بها بشكل مباشر، على أيدي الفنانين، إذ يشاهد الزوار تجارب للرسم المباشر والكتابة والخط العربي على اللوحات والأخشاب، كما تحضر فنون النحت على الخشب، وصناعة الفخاريات، واللوحات الخشبية المصورة التي تعكس حاضر وحضارة مدن المملكة، وبعض العبارات والصور المعبرة، وصور ومقاطع شعرية، وأغاني ولوحات فنية وطنية.
كما يظهر فن "الكاليجرافيتي" وهو الفن الذي يجمع بين الخط والطباعة والكتابة على الجدران، حيث تُرسم وتُكتب بعض الأشكال والعبارات على جدار مخصص لهذه الفعالية، وعلى الجانب الآخر يظهر الفن ذاته برسم بعض معالم الدول المشاركة في سوق عكاظ. ويخوض الزوار أيضا تجربة العزف على الآلات الموسيقية واستخدامها مثل: العود، والطيران، والناي، والزير، والمراويس والرق.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون