ثقافة وفنون

توني موريسون .. الكفاح بلغة لا تنتقص من الناس

غادرتنا قبل أيام عن عمر يناهز 88 عاما توني موريسون، روائية أفروأمريكية عصامية، استطاعت أن تخط مسارا إبداعيا متميزا؛ جمع بين الرواية والنقد الأدبي والمواقف السياسية، على الرغم من انطلاقتها المتأخرة، إذ لم تبدأ مشوارها حتى سن الـ39.
في طفولتها، تعرضت كلو أرديليا ووفورد وهو الاسم الحقيقي للكاتبة، لحدث إضرام صاحب المنزل النار في بيت عائلتها، بعدما عجز والداها عن دفع الإيجار، ما شكل منعطفا نوعيا غيّر مجرى حياتها، حيث أدركت عمق المعاناة الناتجة عن اضطهاد وتسلط الإنسان الأبيض، وهيمنته على المجتمع الأسود، وقد عزز لديها ذلك أكثر الوعي بالحكايات والقصص المستوحاة من تاريخ السود المستعبدين حتى سبعينيات القرن الماضي.
جعل ذلك المنتج الأدبي للراحلة يتمحور في الأساس حول العبودية والتاريخ الاجتماعي للأفارقة وحياة السود في الولايات المتحدة الأمريكية، فأعمالها الروائية التي بلغت 11 رواية، تدور حول الإنسان الأمريكي الأسود؛ خصوصا المرأة والطفل. وقد صاغت كتاباتها بأسلوب أدبي غنائي قريب من الشعر؛ لا نظير له في الأدب الإنجليزي الحديث، حد إن بعض النقاد عدّها أقرب إلى كتاب الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية "جابرييل جارسيا ماركيز" مثالا.
انتصرت الكاتبة للمقهورين والمستضعفين في أعمالها كافة التي تجسد القيم الإنسانية المثلى، فهي إنسانية من الطراز الأول هدفها نشر السلام والتسامح والمحبة. وعن ذلك قالت في حوار لها "أنا لا أكتب انتقاما من العنصرية، بل لتغيير اللغة إلى لغة لا تنتقص من الناس، لا أحمل سيفا، ولا أبتغي رد المظالم، أريد ملء الفراغ بصوت النساء السوداوات".
تعود سنوات الكتابة الأولى لدى الراحلة إلى فترة عرفت عنفوان مظاهرات واحتجاجات السود لنيل حقوقهم، وقد مثل هذا الصراع مجالا خصبا لكتابات موريسون الواقعية؛ فهي بمنزلة المادة الخام التي شكلت الأحداث التي تنتظم حولها أبطال رواياتها، في محاولة منها لتقديم صورة عامة وواقعية عن أحوال الأمريكيين الأفارقة، ومن أشهر ما جاء على لسان شخصية في إحدى رواياتها "لقد أخذ البِيض كل ما معي، وكل ما أحلم به، وحطموا قلبي، ليس هناك حظ سيئ في العالم، لكنّ هناك شعبا أبيض فقط".
دشنت موريسون مسارها الإبداعي برواية "العين الأكثر زرقة" (1970) التي كتبت في زمن خاص جدا، حيث كانت تقتنص الوقت في الصباح الباكر، بين عملها اليومي وحياتها الشخصية كأم ترعى طفلين صغيرين، لتحكي لنا على لسان بيكولا بريدلوف، بطلة روايتها التي تجري أحداثها في مدينة لورين خلال فترة الكساد الاقتصادي، حلم الفتاة بامتلاك عينين زرقاوين، وهو تعبير مباشر عن رغبة الأفارقة الأمريكيين في اكتساب الحقوق نفسها التي يتمتع بها البِيض.
كتبت بعد ثلاث سنوات روايتها الثانية "سولا" التي دارت أحداثها في ولاية أوهايو، مسقط رأس الروائية، في النصف الأول من القرن الـ20، واختارت أن تكون بطلتها امرأة، تتعمد أن يدوس القطار على رجلها، حتى تحصل على تعويض مالي من التأمينات، تقدمه لعائلتها.
كانت ثالث رواياتها، بعنوان "أغنية سليمان" (1977)، بمنزلة الانطلاقة الحقيقية لموريسون، في سلسلة الروايات التاريخية عن تجربة الأمريكيين السود، وحصدت بها جائزة نقاد الكتاب الوطني الأمريكية التي كانت مفتتح الجوائز المرموقة الأخرى التي حصدتها.
بعد رواية "طفل القطران"، استعادت الراحلة قوتها الروائية المذهلة مع رواية "محبوبة" (1987)؛ التي كلفتها ثلاث سنوات من التفكير والتأمل، قبل البدء في كتابة هذا العمل الذي صنف ضمن أهم الروايات الأمريكية التي صدرت في القرن الـ20. واعتمدت في روايتها على حكاية حقيقية عن مارجريت جارنر، التي هربت من العبودية، وقتلت ابنتها كي لا تراها تُؤسر وتُستعبد من جديد، حقا، لقد كانت هذه الرواية عملا إنسانيا خارقا، جلبت لها الجائزة المرموقة البوليترز، ويرجح أن تكون السبب وراء منحها جائزة نوبل للأدب عام 1993، وقد تحولت في وقت لاحق إلى عمل سينمائي من بطولة أوبرا وينفري وداني جلوفر.
في روايتها "وطن" (2012) الأقصر ضمن مجمل أعمالها والأكثر إيلاما، تعود الروائية بقرائها إلى "أمريكا الميز العنصري" في الخمسينيات؛ لا "أمريكا المعجزة الاقتصادية"، لتحكي عن جندي أمريكي أسود عائد من الحرب الكورية، يواجه العنصرية عند عودته، وهو يحاول إنقاذ أخته التي راحت ضحية هذيان طبيب مريض نفسيا.
تمتزج في سرديات موريسون التي تضم أيضا عناوين "جاز" (1992) و"فردوس" (1997) و"حب" (2003) و"شفقة" (2008)... أصوات الرجال والنساء والأطفال، وحتى الأشباح، في طبقات متعددة، كما تلتقي في رواياتها الموجهة إلى الأطفال الأسطورة والسحر والشعوذة، وتتشابك مع الحقائق اليومية والوقائع الاجتماعية. أما المحكي فيتحرك داخل الزمن إلى الأمام والوراء، كأن الشخصيات تريد أن تضيف معاناتها اليومية ومقاساتها المتكررة إلى التاريخ المثقل بالأعباء والمآسي.
هناك من النقاد من يرى أن موريسون مرت بمرحلتين في مسارها الروائي؛ الأولى كانت عادية جدا، على غرار باقي الروائيين، أما في الثانية، فقد طورت وعيا لديها بكونها أمريكية إفريقية قومية نسوية ماركسية، وهو ما بدا نسبيا في أعمالها الأخيرة، خصوصا رواية "وطن" حيث الأيديولوجيا والموقف السياسي بارزان، وقد دافعت عن ذلك بقولها "ليس هناك كاتب وكتابة بلا سياسة".
عدّ عديد من النقاد نصوص الراحلة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها أعمالا أدبية، إنما بوصفها شهادات اجتماعية وسياسية لعرقها وجنسها، الأمر الذي شكل لها قلقا دائما، على اعتبار أن رواياتها كثيرا ما تقرأ في إطار توقعات مسبقة لنوعية وإطار السرد، وهذا ما يتضح بجلاء في المتن الروائي لديها؛ الذي يدور حول الموضوعات والأبطال نفسها "السود، المرأة، الطفل، العبودية...". المستوحاة غالبا من الواقع اليومي.
لقد أسهمت محررة مذكرات محمد علي كلاي الملاكم الأمريكي المسلم بأعمالها الأدبية النضالية في رفع منسوب التعددية الثقافية الأمريكية للمسرح العالمي، وإعطاء دفعة كبيرة لما يطلق عليه "أدب السود"، وكشفت عن حقبة مظلمة لماضي بلدها، وتناولت تاريخ السود في الولايات المتحدة في أعمالها التي مزجت فيها الأدب الإفريقي وفلكلور العبيد مع نصوص الإنجيل والدراما القصصية.
وهذا ما أكدته موريسون لحظة منحها جائزة نوبل بقولها "إن السرد لم يكن مجرد ترفيه بالنسبة إلي، بل هو في اعتقادي أحد الطرق الرئيسة التي نستوعب بها المعرفة". على صعيد آخر تعد الراحلة "وصول ترمب إلى البيت الأبيض مؤشرا على عدم تعافي الولايات المتحدة من العنصرية".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون