الوحدة الاستراتيجية .. ومسألة الأداء

|


لا شك أن منجزات الحضارات، التي قدمنا أمثلة لها في المقال السابق، التي لا تزال أثرا فكريا وشاهدا عينيا إلى يومنا هذا، تمتعت بدرجة عالية، ليس فقط من الجودة، إنما من الإبداع والابتكار والتميز أيضا. وشهدت العقود السابقة اهتماما متزايدا بوضع أساليب "لإدارة جودة أداء الأعمال" في "الوحدات الاستراتيجية على مستوى المؤسسات". وسنركز في هذا المقال على قصة تطور هذه الأساليب، والأفكار التي تم طرحها تدريجيا في تطوير عمل الوحدات الاستراتيجية، لنصل في مقالات قادمة، بمشيئة الله، إلى بيان الأساليب المختلفة في الجودة ومعاييرها الدولية المتجددة.
في قصة تطور أفكار وأساليب "جودة أداء الأعمال" لعلنا نبدأ مع "فريدريك تايلور Frederick Taylor"، الذي لقب بأبي "الإدارة العلمية Scientific Management" ، حيث تركز اهتمامه على "إدارة مهمات العمل" بالجودة المطلوبة، في المؤسسات التي تستخدم عمالا بلا تأهيل أو مهارة أو خبرة، أو بالقليل من ذلك. فقد كان هذا هو حال المؤسسات الصناعية في مطلع القرن الـ20، حيث كان التأهيل لأداء المهمات المعقدة محدودا للغاية. في هذا الإطار دعا "تايلور" إلى تطبيق مبدأ "فرق وتحكم Divide and Rule".
"التفريق Divide" هنا هو تحليل المهمات الصناعية المطلوب تنفيذها وتقسيمها إلى عدد من النشاطات أو المهمات الصغيرة المحدودة، حيث يسهل على العامل البسيط أن يستوعب أيا منها بسرعة وبتدريب محدود. بذلك، يكون على العامل أداء مهمة صغيرة واحدة، وليس أداء مهمة معقدة متعددة الأبعاد. وهكذا يتم أداء المهمة المعقدة عبر عدد من العمال، كل ينجز جزءا منها. أما "التحكم Rule" هنا، فهو مراقبة تنفيذ "المهمات"، وتفتيش "المنجزات" وفحصها والتأكد من تحقيقها "المتطلبات"، عبر فئة صغيرة من الخبراء المؤهلين. وهكذا استطاعت المؤسسات الاستفادة من العمالة، غير المؤهلة، التي كانت متوافرة في ذلك الوقت.
استفاد "هنري فورد Henry Ford"، أحد رواد صناعة السيارات، من مبدأ "فرق وتحكم" ليس فقط في تشغيل العمالة غير المؤهلة، إنما في تخفيض تكاليف إنتاج السيارات، وبالتالي تخفيض أسعارها. فقد جرى تصميم المهمات الصغيرة بشكل متسلسل وإيقاع متزامن يؤديان معا إلى تكامل العمل، عبر "خط إنتاج" يقود إلى إنجاز كامل السيارة، طبعا بعد إعداد ما يلزم من معدات أو أجهزة لكل من هذه المهمات المتسلسلة. بذلك، ظهرت سيارة فورد "نموذج Model-T" عام 1908 بسعر يصل إلى نحو "ثلث سعر" النموذج السابق. وهكذا، بات "خط إنتاج السلع" معتمدا اليوم في كثير من الصناعات، كثيرا ما تؤدي فيه آلات "الذكاء الاصطناعي" بعض المهمات، وربما أغلبها في بعض الأحيان.
في عام 1920 وما بعده، بدأ "والتر شوارت Walter Shewhart"، أحد الخبراء العاملين في "مراقبة الأداء وفحص المنتجات" في "شركة بيل Bell" بإطلاق فكرة جديدة تستهدف "خفض تكاليف" مراقبة تنفيذ المهمات، وتفتيش المنتجات وفحصها والتأكد من تحقيقها المتطلبات، مع المحافظة على "الحد من الأخطاء". وقدم في هذا المجال "ثلاث أفكار رئيسة" متكاملة.
تمثلت الفكرة الأولى في "عدم تفتيش جميع المنتجات"، والاكتفاء "بتفتيش عينة" منها فقط، لأن في ذلك تخفيض لتكاليف التفتيش، خصوصا عندما يكون الإنتاج واسعا يشمل عددا كبيرا من المنتجات. لكن المشكلة في هذه الفكرة أن "رؤية الأخطاء تكون محصورة فقط في العينة"، ولن تتمتع بالتالي بالنظرة الشاملة المطلوبة.
تأتي هنا إلى الفكرة الثانية التي تسعى إلى "ضبط الأخطاء في المنتجات" عبر "ضبط أداء منهجية الإنتاج" والتأكد من صلاحيتها. ويتم تنفيذ ذلك من خلال "مراقبة دورية" لإجراءات هذه المنهجية باستخدام "مؤشرات تقيس حالة الأداء"، وتدل بالتالي على ما يجب عمله لتطوير إجراءات المنهجية وتحسينها عند الحاجة، والحد بالتالي من أخطاء المنتجات. صحيح أن هذا الأمر يؤدي إلى زيادة في التكاليف، لكن هذه التكاليف تكون أدنى من تكاليف تفتيش كل منتج، خصوصا عندما يكون عدد المنتجات كبيرا جدا.
ونصل إلى الفكرة الثالثة، حيث تتلخص هذه الفكرة في وضع "طريقة دورية لتحسين أداء منهجية إجراءات العمل بشكل متواصل"، يضمن ليس فقط المحافظة على جودة المنتجات، بل القيام بتحسينها أيضا، بما يستجيب للمستجدات.
تتضمن طريقة التحسين الدورية هذه أربع خطوات رئيسة. تشمل الخطوة الأولى "التخطيط: Plan" لتحسين منهجية العمل، ويشمل ذلك تحديد متطلبات التحسين، وبيان كيفية قياس هذا التحسين. وتتضمن الخطوة الثانية "تنفيذا اختباريا للخطة: Do" عبر تطبيق تغيرات التحسين جزئيا، وقياس أثرها واستخراج نتائج هذا الأثر. ثم تعمل الخطوة الثالثة على "دراسة نتائج الاختبار Check"، والتعرف على الحالة الناتجة والمشاكل القائمة، إن وجدت. وتقوم الخطوة الرابعة "باتخاذ قرار التغيير Act"، أي المضي قدما فيه أو التخلي عنه، تبعا لمعطيات الدراسة. وتعود طريقة تحسين منهجية العمل بعد ذلك إلى الخطوة الأولى دوريا على فترات سعيا وراء تحسينات متجددة، تستجيب للمستجدات. وقد باتت طريقة التحسين الدورية "التخطيط، والتنفيذ، والاختبار، والقرار PDCA" مرجعية رئيسة "للمنظمة الدولية للمعايير ISO"، في توصياتها الخاصة بتطوير الإدارة في شتى المجالات، كما سنبين في المقالات القادمة بإذن الله.
وهكذا نجد أن أفكار وأساليب تطوير الأداء في "الوحدات الاستراتيجية على مستوى المؤسسات"، المطروحة فيما سبق، استطاعت تشغيل "اليد العاملة" بحد أدنى من التدريب؛ كما أنها استهدفت "تخفيض التكاليف" دون التنازل عن "الحد من الأخطاء". وكانت وسيلتها إلى تحقيق ذلك هي النظر بعمق إلى "إجراءات العمل". فتقسيم إجراءات العمل إلى "مهام صغيرة" سمح بتشغيل العمالة الأقل خبرة؛ كما أن جعل هذه المهام "متسلسلة ومتزامنة" في إطار "خط إنتاج" أدى إلى تقليل التكاليف. ويضاف إلى ذلك أن التركيز على مراقبة "أداء إجراءات العمل" عبر مؤشرات مناسبة، والعمل على تطويرها دوريا، "خفض تكاليف" تفتيش المنتجات، إلى جانب تمكنه من "الحد من الأخطاء". وهناك في جعبة مسألة الأداء وجودته مزيد من الأفكار والتجارب التي تستحق الاهتمام العام، خصوصا في إطار الاستعداد لمزيد من دخول الذكاء الاصطناعي إلى سوق العمل.

إنشرها