السياسة النقدية في اقتصادات الأسواق الصاعدة «3 من 3»

|


يؤكد تحليلنا التجريبي أن انتقال تغيرات السياسة النقدية من خلال قناة الإقراض المصرفي يضعف بشكل ملحوظ كلما زادت تحويلات العاملين.
فباستخدام عينة من 58 بلدا على مستوى العالم بين عامي 1990 و2013، نخلص إلى أن قوة هذا الانتقال التي تقاس بالتأثير المباشر لتغير سعر الفائدة الأساس في أسعار فائدة القروض المصرفية تشهد تراجعا مستمرا كلما زاد حجم تحويلات العاملين. وفي البلدان التي لا تتلقى تحويلات من هذا النوع ولديها نظم مصرفية تنافسية، ينتقل إلى سعر فائدة القروض المصرفية -ما يقرب من 90 في المائة- من التغير الذي يطرأ على سعر الفائدة الأساس. وفي المقابل، لا ينتقل إلا نحو 4 في المائة من التغير نفسه إلى سعر فائدة القروض في الاقتصادات التي تتلقى تحويلات سنوية تعادل 5 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، حتى إذا كانت لديها نظم مصرفية تنافسية. والواقع: إن تحويلات العاملين عندما تصل إلى 7.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، يصبح سعر الفائدة الأساس غير مؤثر في أسعار فائدة القروض المصرفية. وإذا لم يكن النظام المصرفي تنافسيا تأتي نقطة التحول عند مستوى من التحويلات أقل بكثير وهي 1.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
ووفق إطار السياسات القائم على نظرية "الثلاثي المستحيل"، يفترض أن قدرة البلدان على إدارة سياسة نقدية مستقلة تضعف إلى حد كبير حين تسمح بحرية حركة التدفقات الرأسمالية إلى خارج الاقتصاد وداخله وتطبق نظاما لسعر الصرف الثابت. فمحاولات صناع السياسات التأثير في سعر الفائدة المحلي غالبا ما تحفز التدفقات الرأسمالية السريعة والكبيرة "إما إلى داخل البلد أو إلى خارجه، تبعا لارتفاع أو انخفاض أسعار الفائدة"، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إبطال أثر الإجراء المتخذ. وتشير نتائجنا إلى احتمال نشأة "ثلاثي مستحيل" مواز في وجود تحويلات العاملين، لكن لسبب مختلف. فعلى عكس تدفقات رأس المال نجد أن تحويلات العاملين لا تستجيب لتغيرات أسعار الفائدة المحلية، ويؤدي استمرار وجودها إلى إضعاف السياسة النقدية، ليس لأن صناع السياسات لا يستطيعون التأثير في أسعار الفائدة المحلية لكن لأن سعر الفائدة الأساس الذي تحدده السلطات لا ينتقل فيما يبدو إلى القرارات المؤثرة في النشاط الاقتصادي المحلي. وبالتالي، قد تختار البلدان المتلقية للتحويلات التراجع عن خططها الرامية إلى تحقيق الاستقلالية الكاملة للسياسة النقدية. والواقع: إن الأبحاث تشير إلى وجود ارتباط بالفعل بين زيادة تدفق تحويلات العاملين الداخلة وزيادة التدخل في أسواق النقد الأجنبي، سواء لتثبيت سعر الصرف تثبيتا كاملا أو لإدارة تقلباته.
ربما تقود هذه النتيجة إلى استنتاج مفاده أن البلد المتلقي ينبغي أن يستهدف تحويلات العاملين، إذا لم يتخل عن استقلالية سياسته النقدية، لأن استمرار وجودها مسؤول ولو جزئيا عن إضعاف أثر هذه السياسة. وعلى وجه التحديد، قد يكون وجودها مغريا بمحاولة السيطرة على تدفق التحويلات الداخلة أو كبحها. غير أنه ليس من العملي فرض تخفيضات على تدفق هذه التحويلات فعمليات التحويل لن تتوقف لكنها ستتجه إلى السوق الموازية، كما أن كبحها سيحرم الاقتصاد من آثارها التأمينية والمخففة للفقر على الأسر المتلقية.
وبدلا من ذلك يمكن أن تستكشف البلدان بدائل لأسعار الفائدة قصيرة الأجل بينما تواصل التحول إلى إطار أكثر شفافية واستشرافا للمستقبل. وقد يكون أحد الخيارات الممكنة هو اشتراط أن تكون الودائع "الاحتياطيات" التي تحتفظ بها المصارف لدى المصرف المركزي كبيرة بما يكفي لجعلها مقيدة، وبذلك يمكن استعادة بعض السيطرة على أنشطة الإقراض المصرفي. وبالطبع ستكون التكلفة هي تخفيض الائتمان المقدم للقطاع الخاص. وثمة خيار آخر يتمثل في فرض ضريبة على السيولة الزائدة لدى المصارف "سواء كانت نقدا أو أصولا يمكن تحويلها بسهولة إلى نقد، مثل الأوراق المالية الحكومية"، ما يمكن أن يشجعها على تقديم مزيد من القروض. غير أن مثل هذا المنهج قد يزيد مخاطر الائتمان وهو ما كانت المصارف تحاول تجنبه بتضييق دائرة المقترضين منها.
إن أفضل منهج هو استهداف العوامل الجذرية مثل انخفاض جودة المؤسسات وعدم توافر معلومات كاملة عن جدارة المقترضين التي تدفع المصارف إلى مراكمة سيولة زائدة بدلا من التوسع في منح الائتمان للقطاع الخاص بما يتجاوز دائرة مقترضيها المعروفين.
غير أن تحقيق هذا المنهج سيستغرق وقتا طويلا على أرض الواقع. ويمكن أن يكون للإصلاحات الهيكلية مثل إنفاذ حقوق الملكية وإعلاء سيادة القانون ومكافحة الفساد دور مهم أيضا، كما أن هذه التدابير ستساعد على كبح عجز المالية العامة، ما يقلل حاجة الحكومات إلى الاقتراض من المصارف، ومن ثم يحرر الموارد لتمويل القطاع الخاص الذي يفتقر إلى الائتمان.

إنشرها