FINANCIAL TIMES

تغير المناخ .. كيف يؤدي التيار النفاث إلى تغير الطقس؟

في قمة الغطاء الجليدي في جرينلاند، نادرا ما ترتفع درجة الحرارة فوق صفر مئوي، القمة ترتفع 3200 متر فوق سطح البحر وسمك الجليد الموجود في الأسفل يبلغ أكثر من ميل.
لكن يوم الجمعة الماضي، عندما أشرقت الشمس، التقطت محطة طقس صغيرة مليئة بأجهزة الاستشعار شيئا غير عادي للغاية: درجة الحرارة تجاوزت الصفر وارتفعت إلى 3.6 درجة مئوية، أعلى درجة منذ بدء السِجلات قبل ثلاثة عقود. مع ارتفاع درجات الحرارة عبر الغطاء الجليدي الضخم، الذي يغطي مساحة تبلغ خمسة أضعاف مساحة ألمانيا، بدأ نحو 60 في المائة من السطح في الذوبان، وهي واحدة من أكبر النسب التي تم تسجيلها على الإطلاق.
يعرف العلماء ثلاث مناسبات سابقة فقط في الأعوام الـ800 الماضية عندما كان هناك ذوبان في الجزء العلوي من الغطاء الجليدي، الذي يظل باردا بسبب الحجم الكبير من الجليد تحته. لكن يبدو أن هذا يزداد تكرارا، إنها الآن المرة الثانية التي يحدث فيها ذلك في هذا العقد.
يقول كونراد ستيفن، أستاذ التاريخ والغلاف الجوي في جامعة العلوم والتكنولوجيا السويسرية ETH Zurich التي تشغل شبكة من 18 محطة مراقبة عبر الغطاء الجليدي "آخر مرة شهدنا فيها الذوبان في القمة، في عام 2012، اعتقدنا أن ذلك كان أقصى درجة ولن يحدث مرة أخرى بهذه السرعة، لكننا الآن نواجه مزيدا من هذه الدرجات القصوى".
تظهر بيانات البروفيسور ستيفن أنه بين 30 تموز (يوليو) والثاني من آب (أغسطس)، أدت موجة حر في جرينلاند إلى عدة ارتفاعات قياسية عبر الغطاء الجليدي، بما في ذلك East Grip، ثانية أعلى محطة مراقبة. ويضيف "إذا بدأ الذوبان في قمة الغطاء الجليدي، فسنخسر الغطاء الجليدي في جرينلاند على المدى الطويل".
السبب المباشر لموجة الحر كان تحول التيارات الجوية فوق سطح الأرض: التيار النفاث من شمال الأطلسي North Atlantic Jet Stream وهو تيار سريع من الرياح يهب من الغرب إلى الشرق، كان قد شكل انحناء يحبس الهواء الدافئ فوق جرينلاند. النمط نفسه تسبب في موجة حر قياسية في أوروبا قبل أيام قليلة، قبل أن تنتقل لتقبع فوق الغطاء الجليدي في جرينلاند.
ليس طقس جرينلاند وحده هو الذي يحكمه التيار النفاث. في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، يسيطر هذا التيار على كل أنواع الظروف المناخية المتطرفة، من الشتاء البارد، إلى موجات الحر، إلى العواصف.
مع ارتفاع درجة الحرارة في العالم، فإن سلوك التيار النفاث هو أحد أكثر أسرار تغير المناخ التي تدرَس وتناقَش بشدة. يتسابق العلماء لفهم كيف يتغير تيار الهواء المذكور مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، وإذا ما كان سيصبح أقوى أو أضعف، الأمر الذي ينطوي على آثار كبيرة على أنماط الطقس والمحاصيل وارتفاع مستويات سطح البحر.
يقول تيم وولينجز، المحاضر في علوم المناخ الفيزيائي في جامعة أكسفورد "إنه في الأساس أكثر ظواهر الطقس أهمية. إذا كان عليك اختيار جزء واحد فقط من المعلومات لتعرف عن الطقس في نصف الكرة الشمالي "..." فسيكون ذلك هو التيار النفاث، ما هو وأين سيذهب".
كان تموز (يوليو) 2019 الشهر المشترك الأكثر حرارة - مع تموز (يوليو) 2016 - الذي سجلته أجهزة الرصد الحديثة على الإطلاق، ذلك وفقا لبيانات صدرت الأسبوع الماضي، ويعزى هذا إلى ظاهرة الاحتباس الحراري الأساسية للكوكب، حيث يؤدي حرق الوقود الأحفوري إلى زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الجو، لكن أيضا سلوك التيار النفاث الذي تسبب في بعض موجات الحر الكبيرة.
حتى في جرينلاند الباردة كان الطقس دافئا بشكل غير مريح، "نحن لا ننام بشكل جيد هذه الأيام، الطقس حار فوق الحد"، كما يقول فليمنج بيسجور، الطيار وصاحب المشاريع في إيلوليسات، وهي بلدة على الساحل غربي جرينلاند، شهدت ارتفاعا في درجات الحرارة فوق 20 درجة مئوية خلال موجة الحر.
في حين إن ذلك قد لا يبدو سيئا على مسامع الأوروبيين، إلا أن الحرارة المستمرة كانت تذيب طبقة التربة الواقعة تحت الأرض التي تكون متجمدة على مدار العام، ما تسبب في انزلاق الطرق وانزياح أساسات المساكن، الأمر الذي يستلزم إصلاحات مكلفة. يقول بيسجور "قبل 30 عاما، قال جميع المهندسين "إن الطبقة الجليدية دائما ما ستكون موجودة، وبإمكانك البناء مباشرة على الأرض. الآن توجد مشكلة كبيرة". على مستوى العالم هناك تهديد أكبر بكثير يتمثل في كمية المياه المتدفقة من الغطاء الجليدي في جرينلاند أثناء ذوبانه، نحو 200 كيلو متر مكعب من الجليد اختفت من سطح الغطاء الجليدي في جرينلاند في تموز (يوليو) وحده، وذلك وفقا لمارتن ستيندل، عالِم المناخ في معهد الأرصاد الجوية الدنماركي. حجم الماء، إذا انتشر عبر منطقة بحجم إنجلترا، فسيكون بارتفاع 1.5 متر.
يقول ستيندل "ينبغي أن يؤدي هذا إلى اختلاف ملموس في ارتفاع مستوى سطح البحر"، مشيرا إلى أن جرينلاند أسهمت في الأصل بنحو سنتيمتر واحد من ارتفاع مستويات سطح البحر خلال الأعوام الـ15 الماضية، ويقدر أن الذوبان في تموز (يوليو) وحده قد يسهم بنحو نصف مليمتر.
التيار النفاث من شمال الأطلسي نشأ في أعلى الغلاف الجوي، على بعد أكثر من سبعة كيلو مترات من سطح الأرض. الاختلاف في درجة الحرارة بين القطب الشمالي البارد وخط الاستواء الدافئ يوجد فرقا في الضغط ونطاقا ضيقا من الرياح القوية. تحول الأرض يجعل هذا التيار القوي - الذي تبلغ سرعته في المتوسط نحو 170 كيلو مترا في الساعة - يتدفق من الغرب إلى الشرق، ويساعد على تفسير السبب في أنه يحلق من نيويورك إلى لندن بشكل أسرع مما هو في الاتجاه المعاكس.
تم التعرف على التيار النفاث أول مرة في مطلع القرن الـ20، حتى إن الجهود البحثية المبكرة من قِبل العلماء تضمنت عددا قليلا من الرحلات الفاشلة في البالونات الهوائية. من الناحية الفنية، توجد أربعة تيارات نفاثة تدور حول الكوكب – اثنان في كل نصف من نصفي الكرة – لكن الأكثر دراسة هو التيار القطبي في نصف الكرة الشمالي، بسبب دوره الأساسي في أنماط الطقس الأوروبية، لكن لم تصبح البيانات الجيدة فعلا عن التيار النفاث وغيره من التيارات الجوية متاحة إلا في الثمانينيات، وحتى ظهور الأقمار الصناعية الحديثة، ما سمح بقياس سرعته واتجاهه بشكل دقيق.
هذه الفترة الزمنية القصيرة نسبيا هي جزء من السبب في أنه من الصعب جدا معرفة كيف يتأثر التيار النفاث بتغير المناخ. على عكس سِجلات درجة الحرارة التي تمتد إلى ما قبل الحقبة الصناعية، لا توجد تحليلات مفصلة لما كان يفعله التيار النفاث قبل بدء ظاهرة الاحتباس الحراري الناجمة عن النشاط البشري.
يقول بول وليامز، أستاذ علوم الغلاف الجوي في جامعة ريدينج "غالبا ما يمكنك في الفيزياء كتابة المعادلات ثم تأتي الأجوبة والجميع يتفق، لكن لا يمكننا فعل ذلك مع التيار النفاث". جزء من الصعوبة هو الطبيعة الفوضوية للغلاف الجوي الذي يحتوي في الأصل على كثير من التقلبات الطبيعية، مثل دورات إل نينيو، حتى في غياب تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري.
تأثير التيار النفاث في تغير المناخ، وإذا ما كان سيتغير في المستقبل، يناقَش بشدة من قِبل العلماء. فهو يعد واحدا من القضايا الرئيسة التي ستحدد كيف ستتغير أنماط الطقس في جميع أنحاء أوروبا، بشكل خاص، مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب. يقول البروفيسور وليامز "هذا جزء مهم للغاية من عِلم المناخ، وواحد من أقل الأجزاء فهما. نحن نعرف أن المناخ يصبح أكثر حرارة، وهذا أمر انتهينا منه الآن، لكن عواقب ذلك الاحترار - مثل التيار النفاث - هي التي بدأنا في استكشافها للتو". إحدى النظريات البارزة هي أن ظاهرة الاحتباس الحراري ستؤدي إلى تباطؤ التيار النفاث ويصبح أكثر تموجا، ما يؤدي إلى مزيد من موجات الحر في الصيف، من بين تطورات أخرى. يساعد التيار النفاث عادة على إبقاء الهواء البارد بالقرب من القطبين والهواء الدافئ بالقرب من المناطق الاستوائية، لكن عندما يتأرجح ليشكل انحناء عجيبا، يمكن أن يحمل جيوبا من الهواء الدافئ إلى الشمال، والهواء البارد إلى الجنوب. "جانب تغير المناخ يسهم في هذه الموجات الكبيرة المستمرة جدا من التيار النفاث"، كما تقول جينيفر فرانسيس، إحدى العالِمات البارزات في مركز وودز هول للأبحاث، وواحدة من الباحثين البارزين في تحديد الاتجاه. وتعتقد أن التموجات الطبيعية في التيار النفاث تصبح أكبر وأكثر وضوحا بسبب تغير المناخ.
مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، تقول "إن الاحترار موزع بشكل غير متساو. في الوقت الحالي ترتفع درجة حرارة القطب الشمالي بسرعة أكبر من بقية العالم لأن الانخفاض في الجليد البحري يعني أن المحيط يمتص مزيدا من الحرارة من الشمس. في الوقت الذي يضيق فيه الفرق في درجات الحرارة بين القطبين والمناطق الاستوائية، قد يؤدي ذلك إلى إضعاف التيار النفاث والتسبب في جعل التقلبات عجيبة أكثر".
وتضيف "نعتقد أن ظاهرة الاحترار السريع في القطب الشمالي تجعل هذه الأنماط المتموجة تحدث بشكل متكرر، ونتيجة لذلك نرى أنماط الطقس نفسها تصبح أكثر ثباتا"، ما يعني أن الطقس مثل الحر أو العواصف يمكن أن توجد في موقعها لفترة أطول. "أصبحنا للتو قادرين على قياس هذه الأنواع من التغيرات في التيار النفاث لأنها حديثة جدا".
يتوقع علماء آخرون أن العكس قد يحدث: قد يتسبب تغير المناخ في زيادة قوة التيار النفاث والانتقال نحو القطبين. يغلب على النماذج الجوية – عمليات المحاكاة المعقدة التي تتم على أجهزة كمبيوتر عملاقة وتتوقع الطقس والمناخ على المدى الطويل – أن تدعم هذا الرأي.
آدم سكايف، الذي يرأس قسم التنبؤات طويلة الأجل لمكتب الأرصاد الجوية البريطاني وهو أستاذ في جامعة إكستر، يقول "تشير معظم التنبؤات المناخية إلى هجرة التيار نحو القطب، لكن هذه عملية بطيئة للغاية".
إذا انتقل التيار النفاث فوق أوروبا إلى الشمال، فهذا من شأنه أن يجلب طقسا أكثر اعتدالا ورطوبة إلى شمال أوروبا، مع مزيد من العواصف إلى المملكة المتحدة. في الصيف، قد يعني هذا طقسا أكثر استقرارا، وبالتالي عواصف أقل وهطول أمطار أقل.
يضيف سكايف "إذا كانت هناك تغيرات في هيكلة الرياح "..." فهذا قد يزيد من تغير المناخ في بعض المناطق، أو تخفيفه في مناطق أخرى"، اعتمادا على الموقع. "للحصول على الظروف الإضافية الحاسمة لجعل درجات الحرارة ترتفع، مثل السماء الصافية وقلة هطول الأمطار، عندها فإن التيار النفاث مهم جدا".
ما يزيد من تعقيد الصورة أن التفاعل بين التيار النفاث وتيارات المحيط التي تتدفق في شمال المحيط الأطلسي، المعروفة أيضا باسم تيار الخليج. لطالما كانت الرياح معروفة بتأثيرها في تيارات المحيط، وهناك مجموعة متزايدة من الأدلة تشير إلى أن تيارات المحيط تؤثر أيضا في معادِلاتها للغلاف الجوي.
مع ارتفاع درجة حرارة العالم، بدأ العلماء الآن فقط في فهم التأثيرات غير المباشرة المترتبة على ارتفاع حرارة الكوكب، وما يعنيه هذا للتيارات الحاسمة في الغلاف الجوي. التغيرات في التيار النفاث هي شيء يدعوه الباحثون ظاهرة "غير خطية": وهي تغيرات قد تحدث فجأة أو لا تحدث على الإطلاق، ولا تسير في خط مستقيم.
ستيندل، من معهد الأرصاد الجوية الدنماركي، يقول "إن هذا قد يؤدي إلى تفاقم آثار تغير المناخ. لدينا احترار في الخلفية، ولدينا زيادة بسبب هذه الآثار غير الخطية، مثل التغيرات في الدورة العامة".
وهذا له آثار كبيرة في ذوبان الغطاء الجليدي ويعني أن مستويات سطح البحر يمكن أن ترتفع بشكل أسرع من المتوقع. أحدث تقرير من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ يتوقع ارتفاعا في مستوى سطح البحر يراوح بين 45 سنتيمترا و82 سنتيمترا بحلول نهاية هذا القرن إذا استمرت الانبعاثات في الزيادة. ويعتقد عدد متزايد من العلماء أن ذلك قد يكون أدنى من الحد.
يقول ستيندل "ربما يقلل هذا من أهمية النطاق الأعلى لارتفاع مستوى سطح البحر. هنا في كوبنهاجن، نحن قريبون جدا من البحر لذلك علينا مراقبته".
في الوقت الذي يتدافع فيه العلماء لحل لغز التيار النفاث، الخطر هو أن النماذج غير قادرة على توقعه بشكل كاف على المدى الطويل، للاستعداد للتغيرات التي سيجلبها. يقول وولينجز "أحد أعظم انتصارات الأرصاد الجوية هو التنبؤ بالطقس"، مشيرا إلى تنبؤات مثل إذا ما كانت ستمطر غدا. "نود أن نكون قادرين على فعل ذلك مع تغير المناخ أيضا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES