القلق من ارتفاع النمو السكاني

|


تمر المملكة بتطورات تنموية هائلة خلال العقود الخمسة الماضية، ويواكب ذلك تحولات ديموغرافية كبيرة يصعب التفصيل في أبعادها ومكوناتها، ولكن يمكن اختزالها في انخفاض معدلات الإنجاب "الخصوبة" من أكثر من سبعة مواليد أحياء للمرأة خلال فترة إنجابها في سبعينيات القرن الميلادي المنصرم (أي 1970) إلى أكثر من مولودين في المتوسط (بالتحديد 2.33)، وذلك حسب نتائج مسح صحة الأسرة لعام 2018. وهذا التحول الديموغرافي الذي لم يقتصر على الخصوبة فقط، بل شمل جميع مكونات النمو السكاني. فعلى سبيل المثال، انخفض معدل وفيات الأطفال الرضع من105 وفيات من كل ألف مولود في السنة لعام 1970، أي أن 10 في المائة من المواليد يموتون قبل إكمال عامهم الأول، إلى 5 في الألف في عام 2018، وبذلك بلغ مستوى يضاهي المعدلات في الدول المتقدمة. وفي المقابل أصبح الإنسان السعودي يتمتع بصحة جيدة وعمر مديد يصل إلى أكثر من 75 سنة مقابل 55 سنة فقط في عام 1970.
ونتيجة لانخفاض معدلات وفيات الأطفال الرضع، وارتفاع مستوى تعليم المرأة والتحاقها بالتعليم العالي، إضافة إلى مشاركتها في سوق العمل، وما واكب ذلك من ارتفاع في العمر عند الزواج، وكذلك تزايد في استخدام وسائل تنظيم الأسرة بحيث وصلت نسبة النساء المستخدمات لوسائل تنظيم الأسرة "الحبوب واللولب والواقي ونحوه" إلى 30 في المائة من النساء المتزوجات لعام 2018. بوجه عام، تأثرت الخصوبة بتغير في قيمة الأطفال وانخفاض في عائدهم للأسرة من خلال انتقال السكان من الأرياف والبادية إلى المدن، نتيجة ارتفاع تكاليف تنشئة الأطفال وغلاء السكن والمعيشة في المناطق الحضرية. لذلك أصبح نمط الأسرة النووية "أي الزوج والزوجة والأبناء" هو السائد، بدلا من الأسرة الممتدة التي تشمل الزوج والزوجة والأبناء وبعض الأقارب كالأب والأم والإخوة. ومن اللافت أن هذا التحول الديموغرافي جاء نتيجة تأثير العوامل التنموية دون تدخل مباشر من قبل الدولة.
بناء على هذه التغيرات التنموية والديموغرافية، أخذ معدل الخصوبة اتجاها عاما نحو الانخفاض التدريجي من أكثر من 7 قبل أربعة عقود إلى نحو 2.3 مولود حي للمرأة في 2018، علما أن ما يعرف بمستوى الإحلال يقدر بنحو 2.1، أي أن عدد السكان عموما سيتوقف عن الزيادة على المدى الطويل عندما يلامس معدل الخصوبة الكلي هذا المستوى، آخذا في الحسبان قوة الدفع Momentum نتيجة تأثير فتوة التركيب العمري التي تسهم في استمرار النمو السكاني حتى عند بلوغ هذا المستوى لعدد من السنوات. وتجدر الإشارة إلى أن نتائج مسح صحة الأسرة تشير إلى أن أعلى معدلات الإنجاب سجلت في نجران وتبوك، في حين أن أدناها في جازان، على عكس ما هو متوقع.
والسؤال المهم، ماذا يعني هذا التحول الديموغرافي للمجتمع عموما، ولصناع القرار وواضعي السياسات والاستراتيجيات التنموية والاقتصادية والاجتماعية خصوصا؟ إن هذا يعني نهاية القلق من فرط النمو السكاني في المملكة، ومن ثم ضرورة الانتقال إلى الحرص على المحافظة على معدلات الخصوبة الحالية، لكيلا يستمر معدل الإنجاب في الانخفاض دون مستوى الإحلال، ومن ثم يشهد عدد السكان تناقصا عدديا على المدى الطويل، كما يحدث في اليابان وروسيا وإسبانيا وإيطاليا وكوريا وغيرها من الدول المتقدمة، مع الاهتمام بالاستفادة من النافذة الديموغرافية demographic window التي تمر بها المملكة، وتعظيم العائد الديموغرافي من خلال توظيف الشباب والعناية بهم.

إنشرها