FINANCIAL TIMES

انعدام السيولة يضخم حجم السوق الهبوطية التالية

"سيولة السوق العالمية يمكن أن تتجمد مثل المياه في مدينة دافوس"، حسبما قال سيرجيو إرموتي، الرئيس التنفيذي لـ"يو بي إس"، في المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2019 في سويسرا.
السبب هو أن السيولة تعد أكثر المخاطر التي يتم تجاهلها في تخصيص الأصول. إنها توفر الأكسجين للأسواق، لكن على عكس المخاطر الأخرى لا يمكن تنويعها لتقليل الخطر.
الأصل يكون أكثر سيولة إذا كان يمكن بيعه في غضون مهلة قصيرة دون خسارة. يعتمد ذلك على العثور على مشتر، والوقت الذي يستغرقه التداول، وتأثير سعر التداول. عندما يكون هناك ندرة في المشترين، لا يمكن بيع الأصل بسرعة إلا إذا كان المالك مستعدا لقبول سعر منخفض للغاية.
المصاعب الأخيرة في شركة وودفورد لإدارة الاستثمارات تظهر بكل وضوح كيف يمكن أن تتبخر السيولة عندما تكون الحاجة ماسة إليها. أندرو بيلي، رئيس قسم السلوك المالي، كان لديه تفسير بسيط: كانت الشركة "تتبع نص القواعد وليس روحها"، مع أن الواقع أكثر تفصيلا.
هذا العام، قال مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، إن 30 تريليون دولار مرتبطة باستثمارات يصعب تداولها. قلق مماثل بشأن صناديق الاستثمار في السندات والديون جرى تأكيده من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في أيار (مايو).
ببساطة، صناع السوق التقليديون في أسواق منتجات الدخل الثابت لا يمكنهم الآن تخزين المخاطر بسبب تأثير اللوائح التنظيمية الخاصة بتعزيز المرونة المالية العالمية، التي تم إصدارها بعد أزمة 2008.
أفضل ما يُظهر ذلك هو الائتمان الأمريكي ذو الدرجة الاستثمارية. وفقا لـ"جيه بي مورجان لإدارة الأصول"، نما هذا النوع 43 في المائة بين عامي 2007 و2018، في الوقت الذي كانت فيه مخزونات الوكلاء تعادل 6 في المائة فقط مما كانت عليه في عام 2007. الجيل الجديد من الوسطاء يربطون المشترين والبائعين فقط عند وجود اهتمام متبادل، وهذا يمكن أن يحدث من وقت إلى آخر.
في الوقت نفسه، انخفضت جودة الحماية المضمنة في الركن الأكثر خطورة في سوق الائتمان، وفقا لمؤشر وكالة موديز لجودة شروط القروض. في هذه الحقبة الطويلة من انخفاض أسعار الفائدة، التسهيل الكمي من طرف المصارف المركزية دفع المستثمرين إلى الارتفاع في منحنى المخاطر بحثا عن العائد. اليوم، من الصعب الحصول على عوائد تزيد على 5 في المائة دون رافعة مالية، أو خوض مخاطرة جريئة عبر معظم فئات الأصول.
الأسوأ من ذلك هو أن التسهيل الكمي الذي نفذته المصارف المركزية عزز الوهم بأن مِنَح التمويل ستضمن السيولة عن طريق كبح العرض والطلب العاديين. الآن يوجد كثير من عمليات التداول التي تتم دون اقتناع، فيما يتم تحريك الأسواق على يد قوى نفسية عشوائية بعيدة كل البعد عن الأساسيات. مثلا، في عام 2017 تم تداول 85 في المائة من السندات الإيطالية عالية العائد عند مستوى أقل من عائد سندات الخزانة الأمريكية.
في الدخل الثابت، سيولة السوق انخفضت، مثلما يتضح من متوسط حجم التداول وتأثير الأسعار. بالطبع، يمكن للمنظمين الإصرار على تعزيز احتياطات السلامة، لكن هذا سيخفف العوائد من خلال إجبار الصناديق على الاحتفاظ باحتياطيات نقدية أكبر.
في هذه الأثناء، كانت تحركات الأسعار الضخمة المفاجئة واضحة في مجموعة من فئات الأصول، ومع ذلك يواصل المستثمرون الذين يراهنون على الصعود استثماراتهم وترفع السيولة رأسها على فترات متقطعة فحسب.
بناء على ذلك، يفضل بعض المستثمرين أن يكونوا في ساحة الرقص أثناء تشغيل الموسيقى، لكن على مقربة من المخرج، تحسبا لتوقفها فجأة. بعضهم يفضل الاحتفاظ بما يسمى المسحوق الجاف - رأس المال غير المخصص - لاستخدامه في شراء أصول بسعر مخفض للغاية في أوقات الشدة. آخرين يحبون أن يلتزموا بوجهة نظر طويلة الأجل ويتجنبون التداول أثناء اضطرابات السوق.
أسوأ أزمة سيولة خلال هذا العقد حدثت في عام 2015، عندما تخلى البنك الوطني السويسري عن ربط عملته باليورو. في غضون دقائق انخفض هذا الأخير بنسبة غير مسبوقة بلغت 40 في المائة، ما اضطر بائعي اليورو المذعورين إلى البيع بأسعار منخفضة. مع انتشار الهلع، آليات إيقاف الخسارة المصممة للحد من الضرر لم تؤد إلا إلى تفاقم المشكلة.
اليوم، تبدو السيولة في الأسهم وفيرة، لكن فقط لأن المستثمرين لا يحتاجون إليها في الوقت الذي تستمتع فيه الأسواق بشمس الصيف. تقرير حديث صادر عن وكالة موديز أظهر أن موجة طويلة من التقلبات يمكن أن تضمن أنه حتى أدوات الاستثمار التي يفترض أنها سائلة، مثل الصناديق المتداولة في البورصة، لا يمكن أن تكون محصنة ضد عدم سيولة السوق الأساسية.
يصعب التنبؤ بسوق هبوطية، لكن عندما تنشأ إحداها، فإن قلة المشترين ستضخم حجمها في هذه الحقبة الممتدة من قيم الأصول المتضخمة.
ثقة المستثمرين ستكون هي المحرك الرئيسي للسيولة، مثلما اتضح من انهيار القيمة السوقية لمصرف ليمان براذرز بعد ثلاثة أيام فقط من حصوله على تصنيف A من قبل وكالة تصنيف رائدة في عام 2008. الدورة الاقتصادية الحالية ربما تكون في طريقها إلى النهاية مع ثبات منحنيات العائد أو انقلابها في الاقتصادات الرئيسة. في هذه المرحلة عادة ما تكون معنويات المستثمرين في أكثر مستوياتها هشاشة. مزيد من الأخبار السيئة يمكن أن تحول الجشع إلى خوف وفجأة تتجمد الأسواق.

* الرئيس التنفيذي لشركة كرييت ريسيرش وعضو في The 300 Club.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES