ثقافة وفنون

«ما بعد الإنسانية» .. توظيف التكنولوجيا للقضاء على الغباء

أدى تصدع الأنساق الأيديولوجية ونهاية السرديات الكبرى، بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، إلى انبثاق فكرة "الما بعديات" التي انتشرت بسرعة كبيرة، حتى بلغت درجة الحديث عن "ما بعد الإنسانية". وكأن أنصارها في لحظة تجسيد لنبوءة فريديريك نيتشه؛ التي جاءت على لسان زرادشت، حين قال إن "الإنسان شيء يجب تجاوزه. أي أن الإنسان جسر وليس نهاية".
تاريخيا، ظهر مفهوم "ما بعد الإنسانية" Posthumanism عام 1999، حين أطلقه الفيلسوف الألماني، بيتر سلوتيردايك على تيار فكري يدرس العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا الحديثة، ومستقبلها الذي سيغير تركيب الإنسان وعاداته وطبيعته. واستخدم في السياق نفسه مصطلح "الإنسانية الانتقالية" Transhumanism كمرحلة تمهيدية لما بعد الإنسانية.
يرتبط المصطلح بحركة تطورية تسعى إلى تطوير قدرات الإنسان الفكرية والجسدية لمواكبة التطور التكنولوجي المتقدم. بمعنى استخدام العلوم والتكنولوجيا قصد "التعزيز الرقمي" للكائن البشري، أي توظيف التكنولوجيا للقضاء على الشيخوخة والمعاناة والأمراض، وربما حتى الغباء. كل ذلك بغرض التأهيل الشمولي للإنسان، حتى يكون أكثر قدرة على مواكبة الركب الرقمي المتطور بشكل سريع.
حظي الإنسان - في السابق - بأطراف صناعية ونظارات أو عدسات صناعية، وحان وقت موجة جديدة من التعديلات بفضل التكنولوجيا قوامها مثلا عدسات لاصقة من شأنها أن تلتقط صورا أو مقاطع فيديو مصورة، أو روبوتات صغيرة الحجم بمقدورها التحكم في مجرى الدم في أجسامنا، وربما زراعة شرائح إلكترونية داخل الدماغ من شأنها تسريع عملية التفكير لدى الإنسان، وتجعل أدمغتنا متصلة مباشرة بشبكة الإنترنت.
يتأسس هذا التيار الفكري، وفق ما تضمنه البيان الذي وقعه بداية القرن الحالي آذار (مارس) 2002 ثلة من المفكرين ممن يصنفون ضمنه، على جملة من المرتكزات أهمها: الاعتقاد اليقيني بالعجز الإنساني، والاقتناع بالقدرة على تجاوز النقص البيولوجي والنفسي والذهني للإنسان، مع الإيمان بإمكانية الوصول إلى التفوق الخارق، إلى جانب القدرة على التحكم في إمكانات الذات وتجاوزها. وأخيرا الوصول إلى تحسين مستوى العيش.
يقوم هؤلاء بتسخير مجالات معرفية بعينها؛ نانوتكنولوجيا وبيوتكنولوجيا والمعلوميات والعلوم المعرفية NBIC، بغرض تزويد الإنسان دماغه بمعطيات رقمية، وتمكينه من تجاوز نقصه وضعفه، وتنمية مهاراته العقلية والنفسية والعصبية عبر الذكاء الاصطناعي. يصنف هذا الأخير، ضمن فروع علم الحاسوب، وهو بحسب جون ماكارثي مؤسسه عام 1956 "علم وهندسة صنع آلات ذكية"، يقوم على فكرة محاكاة الذكاء البشري ومضاهاته، وتجاوزه من خلال صنع آلات أو تصميم عملاء أذكياء، لهم القدرة على إدراك المهام المنوطة بهم وإنجازها وفق الدقة المطلوبة.
قد يكون النجاح المحرز، في بعض المجالات بفضل تطبيقات معينة، محفزا وراء استعجال كيرزويل لبداية حقبة ما بعد الإنسانية، فقد حدد عام 2029 كبداية لاستعانة الإنسان الكائن البشري بشكل من أشكال المؤازرة الرقمية الجزئية. أما لحظة التحول الثوري العميق والشامل، فستحصل بحسب توقعات عام 2045. إذ لن يبقى بمستطاع الكائن البشري التعامل مع بيئته من غير قدرات رقمية وتكنولوجية، مهما توافر على قدرات بيولوجية وعقلية متفوقة.
يعمل كورزويل حاليا في شركة جوجل، أكثر الشركات الدولية ريادة في مشاريع ما بعد الإنسانية. ويقود شخصيا مشاريع الشركة لهزيمة الشيخوخة، ويطالب بضرورة الإقرار بضعف الإنسان، وبحاجته إلى التكنولوجيا الفائقة لتجاوز ضعفه من أجل ضمان البقاء من خلال مشاريع الاندماج الكلي بين الإنسان والكمبيوتر.
تتجاوز فكرة "ما بعد الإنسانية" بذلك حدود اعتبارها حركة أو تيارا لكونها عقيدة فكرية، أو على الأقل أيديولوجيا، تسعى إلى التحضير لقدوم طور جديد من "الإنسان المعدل"؛ أي المتجاوز للإنسان الحالي. وهذا مكمن خطورتها، لأنها تمثل تطرفا بالنسبة للطبيعة البشرية، وجموحا مجنونا يرغب في إلغاء الخصوصية الإنسانية، ويعيد بث الأمل في طموح قديم قدم وجود الإنسان على وجه الأرض.
بهذا تتعدى "ما بعد الإنسانية" حدود تطويرات تقنية تلحق الكائن البشري؛ على غرار ما يقع عند زراعة الأعضاء، نحو إنزاله منزلة جديدة، تعيد منح دلالة وجودية للكائن البشري.
أخيرا، تنبغي الإشارة إلى سؤال معلق، عادة ما يتجاهله أنصار ودعاة أطروحة "ما بعد الإنسانية" لعجزهم عن تقديم جواب عنه، يتعلق بإمكانية أو مدى قدرة ذكاء معين على ابتكار ذكاء آخر أكثر ذكاء منه، لا بل يملك القدرة على السيطرة عليه، والتحكم فيه وتوجيهه؟ في نظرنا قد يكون هذا واردا في أفلام الخيال العلمي أو بعض الروايات، التي قد تحدث ضجيجا، مثلما حدث مع رواية ميشال هولباك "احتمال جزيرة" التي تحكي معاناة جيل كامل من أفراد "ما بعد الإنسانية".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون