FINANCIAL TIMES

تراجع الاسترليني يدفع المستوردين إلى معاملات عالية المخاطر

الجنيه الاسترليني المتراجع يشجع المستوردين المتوترين في المملكة المتحدة على الدخول في معاملات معقدة في العملات، في الوقت الذي يتدافعون فيه لتجنب ارتفاع التكاليف. لكن بعض الاستشاريين يحذرون من أن هذه الصفقات يمكن أن تعرضهم لخسائر كبيرة.
إحدى الاستراتيجيات الشائعة التي يتم الترويج لها بواسطة السماسرة تتمثل في عقد يعرف باسم "الاسترداد المستهدف الآجل" TARF. تم تصميم هذا العقد لمساعدة الشركات على شراء العملات وبيعها بأسعار أفضل مما كان يمكنها الحصول عليها خلاف ذلك، مقابل التعرض لخطر أكبر هو أن تتحرك أسعار الصرف ضدها.
مثل هذه العقود يمكن أن تكون مربحة للعميل. لكن الحركات غير المواتية يمكن أن تعني أن مالكيها مجبرون على التداول بأسعار باهظة - وبكميات أكبر مما أرادوا في الأصل شراءها أو بيعها.
المصارف الكبرى، مثل "باركليز" و"رويال بانك أوف سكوتلاند"، تقدم عقود الاسترداد المستهدف الآجل فقط لعدد قليل من العملاء المتطورين، الذين يعون المخاطر المحتملة المتمثلة في الغش عند بيعها – خصوصا إلى الشركات الصغيرة. وفي الوقت ذاته، بالنسبة لسماسرة العملات، مثل "موني كورب" Moneycorp، مقرها لندن، و"ويسترن يونيون" في دنفر في كولورادو، أصبحت عقود الاسترداد المستهدف الآجل مصدر دخل مربح.
شهدت هذه العقود موجة من الاهتمام خلال استفتاء "بريكست" في عام 2016، عندما سعى كثير من الشركات الصغيرة إلى طلب الحماية ضد انهيار الجنيه الاسترليني. لكن في الوقت الذي تتراجع فيه عملة المملكة المتحدة مرة أخرى مع تجدد التوقعات بالخروج "دون اتفاق" من الاتحاد الأوروبي في الخريف المقبل، برز مرة أخرى الطلب على عقود الاسترداد المستهدف الآجل بين المستوردين الذين تنخفض هوامش الأرباح لديهم في كل مرة يتراجع فيها الاسترليني مقابل الدولار أو اليورو.
أظهر استطلاع شمل أكثر من ألف شركة بريطانية، أجرته أخيرا "ويسترن يونيون"، أن 16 في المائة من الشركات الصغيرة التي يقل حجم مبيعاتها عن مليوني جنيه استرليني سنويا تستخدم عقود الاسترداد المستهدف الآجل، في حين أن أكثر من ربع الشركات التي تصل إيراداتها إلى عشرة ملايين جنيه تفعل ذلك أيضا.
يلاحظ محللون أن انخفاض الجنيه 6 في المائة تقريبا منذ بداية أيار (مايو) جعل كثيرا من الشركات التي تعتمد على الاستيراد تتكبد خسائر، واستخدم كثير منها سعر صرف يبلغ 1.25 دولار أو حتى 1.30 دولار للتخطيط للعام المقبل. سعر الصرف يتحرك الآن دون مستوى 1.25 دولار. بعد الفشل في تأمين الحماية ضد انخفاض الجنيه، يبدو بعضهم الآن في أمس الحاجة إلى حلول تقدم مكافآت أكبر مقابل التعرض لمخاطر أكبر.
مثل هذه العقود "هي نوع من المقامرة في أحسن الأحوال"، بحسب باري مكارثي، الرئيس التنفيذي لـ"أشور هيدج" Assure Hedge، وهو صندوق متخصص في العملات الأجنبية. وقال إنه يوصي بأن يبتعد العملاء عن عقود الاسترداد المستهدف الآجل تماما. في السابق انتهت الصفقات على نحو مؤلم. شركة نيوستار للملابس، وهي شركة لتوزيع الجينز مقرها في هاي وايكومب، رفعت قضيتين في المحكمة ضد سماسرتها في أواخر عام 2016 مدعية أنها تعرضت للغش في بيع عقود الاسترداد المستهدف الآجل. وتزعم الشركة أن هذه المنتجات تسببت في خسائر بلغت ثلاثة ملايين جنيه، ما أدى إلى تراجع أرباحها التشغيلية 50 في المائة عام 2017 وانهيار شركة تابعة كانت قد دخلت في الاتفاق.
يقول روبن هنري، رئيس قسم تسوية النزاعات في شركة المحاماة "كولير بريستو" Collyer Bristow، إنه تعامل مع نحو 12 قضية ركزت على مزاعم حول حالات غش في بيع عقود الاسترداد المستهدف الآجل منذ الاستفتاء، جميعها ذات خصائص متشابهة. نادرا ما تظهر تفاصيل القضايا، إذ تميل الأطراف إلى التوصل إلى التسويات خارج المحكمة.
يضيف هنري، الذي يعمل لمصلحة الشركات في حال النزاعات: "لقد ملأ السماسرة الكبار الفراغ الذي تركته البنوك (...) ويبدو أنهم ينظرون إلى هذه الحالات على أنها تكلفة مقبولة للأعمال".
يقول السماسرة الذين يقدمون عقود الاسترداد المستهدف الآجل إن العملاء يخضعون إلى تقييمات صارمة تختبر مدى ملاءمتهم قبل تقديم العقود لهم. وبحسب أليكس لوسون، رئيس قسم التحوط في "ويسترن يونيون"، العملاء على استعداد لتحمل مزيد من المخاطر على أمل الحصول على مكافآت أكبر، في الوقت الذي تلوح فيه في الأفق مزيد من الخسائر. وشدد لي مكداربي، رئيس قسم صرف العملات الأجنبية والمدفوعات الدولية في "موني كورب"، على أن العملاء لا يمكنهم الدخول في عقود الاسترداد المستهدف الآجل إلا إذا استوفوا متطلبات الصناعة القياسية للمستثمرين "المحترفين".
جوناثان بريور، رئيس قسم العملات الأجنبية في "إنفستك" Investec، المجموعة المصرفية في جنوب إفريقيا، التي تبيع أيضا عقود الاسترداد المستهدف الآجل، قال: "المنتجات الأكثر تعقيدا غالبا ما تصبح أكثر شيوعا في الأوقات التي يحوطها اللبس، على اعتبار أن التغطية البسيطة على أساس الأسعار الفورية أو الآجلة ربما لا تكون كافية تماما للسماح للشركات بالوفاء بأهدافها".
كانت سلطة السلوك المالي، وهي الجهة الرئيسية المنظمة للسوق في المملكة المتحدة، في حالة تأهب لمواجهة حالات غش في البيع للشركات الصغيرة. في عام 2013 نشرت مراجعة بيع العقود للتحوط من مخاطر أسعار الفائدة، ووجدت أن 90 في المائة من الحالات التي نظرت فيها كانت "غير متوافقة".
لكن ما زال على الجهة التنظيمية اكتشاف ممارسات مماثلة في أسواق العملات. يقول أبهيشيك ساشديف، الرئيس التنفيذي لـ"فيدانتا هيدجينق" Vedanta Hedging، وهي شركة استشارية لأقسام الخزانة في الشركات، إنه أبلغ سلطة السلوك المالي عن مخاطر عقود الاسترداد المستهدف الآجل في رسالة في تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2016. وردت الجهة التنظيمية بعد أسابيع قائلة إن عقد اجتماع لمناقشة الأمر لم يكن "في هذه المرحلة (...) ضروريا".
ورفض متحدث باسم سلطة السلوك المالي التعليق على نمو عقود الاسترداد المستهدف الآجل، وحوّل "فاينانشيال تايمز" بدلا من ذلك إلى قسم على موقع السلطة على الإنترنت يتحدث عن إشرافها على منتجات التحوط ضد أسعار الفائدة.
وقال ساشديف الذي قدم المشورة إلى سلطة السلوك المالي بشأن مراجعتها لأسعار الفائدة لعام 2013، إنه يلزم المزيد من الحذر. فبعض الشركات الصغيرة تجد "صعوبة بالغة في مقاومة" منتجات الاسترداد المستهدف الآجل.
وتتيح عملية الاسترداد المستهدف الآجل لشركة ما استبدال عملة بأخرى مقابل سعر أفضل من العقد التقليدي الآجل. لكن مالكي عقود الاسترداد المستهدف الآجل يمكن أن يخسروا إذا تحرك السعر في الاتجاه الخاطئ، ما يجبرهم على التداول بانتظام بأسعار غير مواتية طوال مدة الصفقة.
مثلا، توافق شركة صغيرة مقرها المملكة المتحدة على استيراد مواد بقيمة مليون دولار من الولايات المتحدة، يتم دفعها على خمسة أقساط شهرية متساوية، بافتراض سعر صرف 1.28 دولار للجنيه. مع اقتراب تاريخ الدفعة الأولى، تدرك الشركة أن السعر الحالي البالغ 1.25 دولار والسعر الآجل المتاح البالغ 1.26 دولار يجعلان الطلب غير اقتصادي. تدخل الشركة في عقد استرداد مستهدف آجل على أمل تحقيق سعر صرف قدره 1.28 دولار.
في حال تأرجح سعر الصرف إلى ما دون مستوى "التنفيذ" عند 1.28 دولار، فإنه يسمح لمالك عقد الاسترداد المستهدف الآجل بالاستفادة من السعر الأقوى الذي ثبته.
في المقابل، إذا ارتفع السعر أكثر من 1.28 دولار، فإنه يُجبر العميل على دفع جميع الأقساط بسعر ضعيف بشكل غير موات. والأسوأ من ذلك أن عقود الاسترداد المستهدف الآجل يتم رفعها في كثير من الأحيان، بحيث إذا ارتفع سعر الصرف فوق معدل التنفيذ، يتعين على صاحب العقد أن يصرف أكثر مما أراد في الأصل.
أما إذا انهار الجنيه فسيتم إلغاء العقد ويُجبر المالك على سداد باقي المدفوعات بالسعر السائد في السوق.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES