FINANCIAL TIMES

ضم الهيدروجين إلى فرقة مكافحة انبعاثات الكربون .. في الغد

لا يعد مصنع معكرونة في الريف الجنوبي الغربي في إيطاليا، موقعا متوقعا لمشروع طاقة يمكن أن يوفر حلا لخفض الانبعاثات الصادرة من القطاع الصناعي الهائل في أوروبا.
بيد أن مصنع أوروجياللو في كونتوريتيرمي، في مقاطعة ساليرنو، قد استحوذ على شريحة من التاريخ في وقت سابق من هذا العام، عندما طهى المعكرونة التي يصنعها باستخدام مزيج من الهيدروجين والغاز الطبيعي، المستخدم في شبكة نقل الغاز الإيطالية.
العلماء والشركات يصفون الهيدروجين بأنه بديل "نظيف" محتمل للوقود الأحفوري مثل الغاز الطبيعي، لأنه لا ينتج ثاني أكسيد الكربون عند الاحتراق.
تجدد الشركات والحكومات هذا العام جهودها لاستكشاف إذا ما كان بوسع الهيدروجين أن يساعد على إزالة الكربون من القطاعات الرئيسة للاقتصاد العالمي، ابتداء من الصناعة والطاقة إلى الشحن والنقل.
الوكالة الدولية للطاقة التي تتخذ من باريس مقرا لها، وصفت عام 2019 بأنه عام "الزخم غير المسبوق" للهيدروجين، مع تقديم 50 سياسة أو هدفا عالميا لدعم تطويره.
قال ستيفان هيربست، المدير العام الفني لقسم الهيدروجين في شركة تويوتا موتور في أوروبا "إن المغيّر الرئيس للعبة هو اتفاقية باريس بشأن المناخ".
وأضاف "يوجد الآن إجماع على أننا بحاجة إلى إزالة الكربون من قطاع النقل والقطاعات الأخرى، وأننا بحاجة إلى جميع مصادر الطاقة".
في حالة مشروع كونتورميتيرمي الذي بدأ في نيسان (أبريل) الماضي، فإنه على الرغم من أن نسبة الهيدروجين المستخدمة فيه كانت منخفضة – كانت نحو 5 في المائة فقط - إلا أن فترة التجربة التي استمرت شهرا من قبل شركة سنام Snam الإيطالية كانت الأولى من نوعها في أوروبا، لاختبار مدى أمانة وموثوقية ضخه في البنية التحتية الوطنية للغاز، وهي منطقة خاضعة للتنظيم بإحكام.
تنوي "سنام" وغيرها من مالكي البنية التحتية للغاز في أوروبا، رفع نسبة الهيدروجين النظيف المستخدم في المشاريع المستقبلية، على أمل أن يحل يوما ما محل الغاز الطبيعي بالكامل، ويؤمن أصولهم بشكل جيد.
يعد مشروع "سنام" مجرد مثال واحد على مشاريع هيدروجين مخطط لها في جميع أنحاء العالم في السنوات المقبلة من قبل كبرى الشركات، بما في ذلك شركة ايكوينور Equinor النفطية النرويجية الضخمة، وشركة فاتينفال Vattenfall السويدية للطاقة، وشركة ميتسوبيشي هيتاشي اليابانية لأنظمة الطاقة والشركة الوطنية لنقل الكهرباء في بريطانيا، علاوة على "تويوتا".
بالنسبة إلى شركات الطاقة الكبرى، يمكن للهيدروجين، الذي يمكن إنتاجه من الوقود الأحفوري، أن يوفر طريقة لتأمين وظيفة لاحتياطياتها من الغاز الطبيعي، في بيئة تعتمد فيها حكومات أكثر سياسات لإنهاء مساهمتها في ظاهرة الاحتباس الحراري.
شركات النقل ترى أنه حل ممكن في مجالات مثل الشحن أو النقل أو كبديل للسيارات الكهربائية.
سبق للهيدروجين التمتع بعدة موجات من الشعبية من قبل – في السبعينيات والتسعينيات وأوائل الألفينية الثانية – إلا أنه فشل حتى الآن في الانطلاق بالطريقة التي تصورتها شركات مثل "جنرال موتورز"، التي أنتجت سيارة تعمل بالهيدروجين لأول مرة في عام 1966.
عدد السيارات التي تعمل بخلايا الوقود الهيدروجينية، مثل تويوتا ميراي Toyota Mirai التي بيعت في العام الماضي كان 11200 وحدة فقط، وفقا لوكالة الطاقة الدولية، وهو عدد صغير مقارنة بسيارات أخرى منخفضة الانبعاثات، مثل السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات والسيارات الكهربائية الهجينة.
أفادت موجات الحماس السابقة تجاه الهيدروجين، لأنها استندت - إلى حد كبير - إلى استخدامه كوقود أنظف لسيارات الركاب، في وقت كانت فيه أسعار النفط منخفضة، ما قلل من شهية المستهلكين والشركات للاستثمار في البنية التحتية لوقود الهيدروجين.
إن الهيدروجين – الذي تعتمد شهادة نظافته على كيفية إنتاجه – لا يزال يعد موضوعا مثيرا للجدل، إذ يشكك قدر من النقاد فيما يتعلق بتكاليف توظيفه وأمان استخدامه.
غير أن الشركات التي تقف خلف مخططات الهيدروجين تأمل أن يكون الأمر هذه المرة مختلفا.
في هذه المرة، هناك عديد من الاستخدامات المحتملة للهيدروجين النظيف.
تشمل المخططات تشغيل العبّارات بالهيدروجين واستخدامه كبديل للغاز الطبيعي في السخانات المنزلية، وتوليد الطاقة منه واستخدامه طريقة لتخزين الكهرباء الزائدة، التي تنتجها مصادر الطاقة المتجددة المولدة من الرياح والشمس، في الأيام المشمسة أو كثيرة الرياح "التي تحول دون التوليد من المصدرين".

من إيطاليا إلى هولندا
في مصنع إيمشافن Eemshaven في الطرف الشمالي من هولندا، تستكشف شركة فاتينفال السويدية للطاقة، إذا ما كان من الممكن تحويل جزء من محطة توليد طاقة تعمل بالغاز، إلى العمل بالهيدروجين بشكل ناجح بحلول عام 2025.
سيكون التأثير الفوري لذلك هو تقليل الانبعاثات الناتجة من هذا المصنع بذاته.
على أن الغرض الأوسع هو اكتشاف إذا ما كان من الممكن استخدام فائض الكهرباء المتجددة لإنتاج هيدروجين نظيف، عن طريق التحليل الكهربائي – وهي عملية تستخدم الماء أيضا – قبل أن يتم تخزينه.
ويمكن بعد ذلك استخدامه لتوليد الكهرباء مرة أخرى في مصانع مثل منشأة إيمشافن خلال فصل الشتاء، أو عندما لا توّلد مزارع الرياح أو الطاقة الشمسية الكهرباء.
وقال جيفري هاسبلز، مدير المشروع في مخطط "فاتنفال"، "مع زيادة كميات الطاقة المتجددة في نظام الكهرباء، سيكون هناك طلب متزايد على سعة "توليد الكهرباء" المرنة والتخزين الموسمي".
مع ذلك، فإن المشروع الذي يشمل أيضا شركة ايكوينور النرويجية للنفط، و"ميتسوبيشي هيتاشي" لأنظمة الطاقة وشركة شبكة جاسوني Gasunie للطاقة في هولندا، يسلط الضوء على بعض التحديات التي تواجه استخدام الهيدروجين، وعلى وجه الخصوص، التكاليف.
يقدر هاسبلز التكلفة بـ"مليار يورو" على امتداد سلسلة القيمة، مشيرا إلى المراحل المنفصلة لإنتاج الهيدروجين والتخزين والنقل وتحويل المصنع.
يعتمد قرار الاستثمار النهائي، الذي سيتخذ في عام 2022، على الإعانات المقدمة من الحكومة الهولندية.
بالنسبة إلى هذه التجربة المعينة، سينتَج الهيدروجين من الغاز الطبيعي، لأن "الوضع الذي يسمح بوجود مصادر طاقة متجددة كافية في النظام، ليس متاحا في الوقت الحالي في هولندا"، حسب قول هاسبلز، على أن من المتوقع أن تستخدم المشاريع المستقبلية التحليل الكهربائي.
على نطاق واسع ينتج الهيدروجين من الوقود الأحفوري، إذ يستخرج نحو 70 مليون طن سنويا منه، لإنتاج الأسمدة أو للاستخدام في تكرير النفط، بيد أن هذه العملية ملوثة بدرجة كبيرة للبيئة.
وفقا لوكالة الطاقة الدولية فإن تلك العملية مسؤولة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 830 مليون طن سنويا، أي ما يعادل مجموع انبعاثات الكربون، في بريطانيا وإندونيسيا.
لجعل هذا الهيدروجين "نظيفا" لا بد من احتجاز الانبعاثات، وإعادة استخدامها في عمليات مثل تصنيع المشروبات الغازية أو تخزينها في حقول النفط والغاز الساحلية المستنفدة.
يعتقد عديد من المختصين أن هذه ستكون الطريقة الأكثر فاعلية من حيث التكلفة لإنتاج هيدروجين منخفض الانبعاثات على نطاق صناعي، على الرغم من أن احتجاز الكربون وتخزينه تنطوي عليهما تحديات من حيث التكلفة.
وقال تيمور جول، رئيس سياسة تكنولوجيا الطاقة في وكالة الطاقة الدولية "على المرء أن يدرك أن كل هذا الزخم - الجديد - وكل الحديث عن الهيدروجين، لا يعني أن كل التحديات قد أصبحت فجأة غير موجودة".
تعترف الشركات بأن المشاريع الأولى ستتطلب تمويلا حكوميا، لكن الانخفاض الهائل في تكاليف التقنيات الخضراء الأخرى مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يقدم قدرا من التفاؤل بأن الأمر نفسه يمكن أن يحدث مع الهيدروجين.
قال إيمانويل كاكاراس، نائب الرئيس ورئيس قسم البحث والتطوير في شركة ميتسوبيشي هيتاشي لأنظمة الطاقة في أوروبا "قد تبدأ مشاريع الهيدروجين في التنافس، بسبب ارتفاع تكاليف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، في بلدان لديها ضرائب على الكربون أو على أنظمة الانبعاثات".
وأضاف "علينا أن نقيس هذه التقنيات "الهيدروجينية" بما نسميه تجنب تكاليف ثاني أكسيد الكربون".
وقال ستيفن بول، نائب الرئيس الأول في خطة تطوير الرياح والكربون المنخفض في "ايكوينور"، "في عالم تتبنى فيه دول أخرى أمثال فرنسا والنرويج والسويد وبريطانيا، أهداف صافي انبعاثات صفرية، سيتحتم البحث عن بدائل مجديّة أكثر للوقود الأحفوري".
وأضاف "هذا سيتجاوز حدود سير العمل كالمعتاد. كانت استراتيجية الحد من الكربون لدينا في سوق الكهرباء ناجحة نسبيا، لكنها بعيدة كل البعد من إيصالنا إلى عالم خال من الكربون، لذا سيحل هنا الدور القوي الذي نعتقد أن الهيدروجين يستطيع أن يلعبه".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES