FINANCIAL TIMES

أمريكا .. صناعة الطاقة تتفادى سيناريو محاكمة «التبغ»

تعترك شركات الوقود الأحفوري مع مخاطر داخلية ناجمة عن كيفية تفاعل الصناعة مع الاتجاهات الجديدة، خاصة تلك ذات الصلة بتغير المناخ، ابتداء من التهديدات الطبيعية للطقس المتطرف، إلى تحدي التحول نحو الطاقة الأنظف.
أما الآن فإن لديها عنصرا جديدا من الخارج، يصّعد يفاقم من المخاطر ويكاد أن يحيلها إلى مخاوف: دعاوى المسؤولية القانونية.
خلال العامين الماضيين، سعى عدد متزايد من القضايا القانونية في الولايات المتحدة - رفعتها المدن والمقاطعات وولاية رود آيلاند - إلى الحصول على تعويضات من شركات الطاقة بسبب مجموعة من المشكلات المتعلقة بالمناخ.
تريد بالتيمور الحصول على تعويض عن تكلفة إعادة تأهيل مصارف المياه التي جرفتها العواصف للتحضير للعواصف المتفاقمة.
في سان فرانسيسكو، تقول المدينة إنها ستتكلف مبلغ خمسة مليارات دولار لتحديث الجدار البحري للمدينة للتحضير لمستويات أعلى من البحر.
وفي الوقت نفسه، تتوقع رود آيلاند أن تكون العقارات الساحلية التي تبلغ قيمتها 3.6 مليار دولار مهددة بحلول نهاية القرن.

الخصم غير المباشر

حين تؤخذ هذه الدعاوى مجتمعة فإنها تكون بمنزلة هجوم قانوني، يرجو نشطاء المناخ أن يكون له تأثير مالي عميق في شركات إنتاج النفط والغاز، من خلال فرض عقوبات ضخمة على الصناعة.
والمثال الذي استندوا إليه هو سنوات التقاضي ضد شركات التبغ التي توجت بتسوية تضمن دفع 206 مليارات دولار، لمصلحة 46 ولاية أمريكية خلال الأعوام الـ25 الأولى.
قال شيلدونوايتهاوس، عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية رود آيلاند المعروف بنشاطه ودفاعه عن قضايا المناخ، "إن خطر التقاضي هو مصدر قلق كبير لشركات النفط في الوقت الحالي.
هي خائفة من احتمال أن تقع على عاتقها مطلوبات المسؤولية القانونية عما فعلته، وهي خائفة من المحاكم، لذا ننقل المعركة إلى حماها، علاوة على محكمة الرأي العام".
وأضاف أن "المقارنة بقضايا صناعة التبغ من قبل هي مسألة صحيحة ومجدية وفي محلها.
إذا أزلت كلمة التبغ، ووضعت كلمة الوقود الأحفوري؛ وأزلت كلمة الصحة، ووضعت مكانها البيئة، فإن الشكوى تكتب نفسها بنفسها".
يتمثل أحد الفوارق الحاسمة في أن قضايا المناخ لم تصل بعد إلى نطاق دعاوى التبغ، لم تنجح أي من الدعاوى القضائية حتى الآن، وتم إسقاط عدد منها.

12 قضية قيد التقاضي

في الوقت الحالي، هناك أكثر من 12 قضية من قضايا المسؤولية المناخية جارية في الولايات المتحدة: منها عشر قضايا رفعتها المقاطعات، وأربع قضايا رفعتها مدن كبرى، هي: نيويورك، وسان فرانسيسكو، وأوكلاند، وبالتيمور، علاوة على قضية واحدة من ولاية رود آيلاند الصغيرة، في إقليم نيو إنجلاند في الطرف الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة.
على أن من المحتمل أن تنضم مدينة هونولولو، عاصمة ولاية هاواي في المحيط الباسفيكي، وواشنطن العاصمة، إلى تلك الثلة من المدن السالفة الذكر، في رفع دعاوى تتعلق بالمناخ، وقد وجهت في الفترة الأخيرة دعوة إلى مجموعة من المحامين والناشطين الحقوقيين، لتعزيز تلك المساعي.
على أن شركات الطاقة ومجموعات الضغط التي تمثلها، تشك في تأسيس هذه القضايا على قواعد قانونية سليمة، مشيرة إلى الدوافع والأبعاد السياسية في هذا الخصوص.
قال فيل جولدبيرج، المستشار الخاص في الرابطة الوطنية للمصنعين، وهي مجموعة ضغط في العاصمة تضم في أعضائها شركات الوقود الأحفوري "كان هناك تاريخ طويل من هذه القضايا التي لم تنجح، وكان سبب عدم النجاح وجيها".
أضاف جولدبيرج "العيب الأساسي في هذه الدعاوى هو أن الشركات لم ترتكب أخطاء.. إنها تبيع منتجا مفيدا. الأمر برمته هو مجرد صرف الانتباه عن المسألة الحقيقية".
بيد أنه لم يصل إلى حد رفض الدعاوى القضائية تماما، وقال "في أي وقت تتم مقاضاتك، فأنت تأخذ الأمر على محمل الجد".
هناك عدد متزايد من القضايا، ما دفع الرابطة إلى إنشاء جناح جديد تحت اسم "مشروع مساءلة المصنعين" للتعامل مع تلك القضايا التي تستهدف الصناعة من منطلقات بيئية، حقيقية أم زائفة، وبغض النظر عن صحتها من عدمها.
في الوقت نفسه، ضخت بعض شركات الطاقة، بما في ذلك شركتا شل وبريتيش بتروليوم، ملايين الدولارات للضغط من أجل تحريك مشروع قانون جديد لضريبة الكربون، من شأنه أن يتضمن أيضا إعفاء المسؤولية القانونية عن منتجات الوقود الأحفوري التي بيعت في الماضي، ما سيحكم على معظم هذه الدعاوى القضائية بالتلاشى.
وفي حين إن تفاصيل كل قضية من القضايا تختلف عن الأخرى، إلا أن التوجه الواسع يعد متشابها: تحصيل التعويضات من صناعة الطاقة بما يشمل شركات إنتاج النفط والغاز لتغطية تكلفة التكيف مع آثار تغير المناخ.

استهداف عمالقة الصناعة

تحدد معظم الدعاوى القضائية أكبر شركات الإنتاج مثل: إكسون وبريتيش بتروليوم وكونوكو فيليبس ورويال داتش شل وشيفرون، كمدعى عليها، على الرغم من أن عدد الشركات المذكورة يراوح بين خمس شركات إلى 37 شركة.
قال فيك شير، وهو شريك في شركة شير إيدلينج للمحاماة، التي تمثل المدعين في 11 من هذه القضايا "هذه دعاوى قضائية من قِبل هيئات عامة متضررة ضد شركات محددة ارتكبت مخالفات، ويسعى الشاكون إلى الحصول على تعويضات مالية.. وهي قضايا تدور حول التعويض عن السلوك الماضي. إن تكلفة التعامل مع تغير المناخ على المجتمعات ضخمة بالفعل".
يشير تاريخ الدعاوى السابقة المتعلقة بالمسؤولية المناخية في الولايات المتحدة إلى أن القضايا الحالية ربما تواجه معركة شاقة.
في عدد من القضايا التاريخية على مدار العقد الماضي، وقف القضاة إلى جانب شركات النفط، بما في ذلك أحد الأحكام الرئيسة بأنه لا يمكن اعتبار الشركات مسؤولة أمام محكمة فيدرالية، عما تصدره من انبعاثات الغازات.
في إحدى الدعاوى القضائية البارزة قبل عقد من الزمن، طلبت قرية كيفالينا في ألاسكا من شركات إنتاج النفط دفع تكلفة نقل القرية من موضعها، لأنها كانت مهددة من ارتفاع منسوب مياه البحر.
حكمت المحكمة في نهاية المطاف ضد قرية كيفالينا، حيث قالت "إنه لا يمكن النظر في القضية بموجب القانون العام الفيدرالي". يقول محامو المناخ "إن الأمور تغيرت، منذ ذلك الوقت، في ظل أحدث مجموعة من القضايا".
ويقولون "إنه يتم رفع هذه القضايا في محاكم الولايات وليس في محاكم فيدرالية"، ما يعني أن الحُكم في قضية كيفالينا وقضايا أخرى مماثلة لا يمكن تطبيقه مباشرة، ويمكن كذلك للشكاة أيضا الاستفادة من التقدم في الفهم العلمي لتغير المناخ وتأثيره.
وقال شير "التطورات الجديدة هي التطورات العلمية، الأمر الجديد هو قدرتنا على تحديد العلاقة بين الانبعاثات والتأثيرات المتعلقة بتغير المناخ، مثل ارتفاع منسوب مياه البحار، وأن نعزو الانبعاثات إلى شركات معينة".
التقدم حتى الآن كان متفاوتا: مسألة إذا ما كان ينبغي النظر في الدعاوى في محاكم الولايات أو المحاكم الفيدرالية شغلت كثيرا من الإجراءات. الدعاوى القضائية التي رفعتها سان فرانسيسكو وأوكلاند ومدينة نيويورك هي قيد الاستئناف، بعد أن تم إسقاطها في البداية.

البيّنة على من ادعى

لأن الوقود الأحفوري كان محرك كثير من النشاط الاقتصادي، فإن التحدي الآخر الذي يواجه المدّعين هو أنه قد يكون من الصعب إثبات أن شركات الطاقة وليس المستهلكين، هي التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية.
يقول النشطاء "إن معرفة الشركات بتغير المناخ وعدم تحذير الجمهور من تأثير النفط والغاز الذي كانت تبيعه، يضع على كاهلها مسؤوليات قانونية جمة".
القضايا هي الآن في مرحلة أولية جدا بحيث لا يمكننا الإشارة إلى المبالغ بالدولارات التي ستُدفع للتعويض عن الأضرار، في حين إن تقديرات تكلفة تغير المناخ في جميع أنحاء الولايات المتحدة، تصل إلى تريليونات الدولارات.
في الوقت نفسه، تواجه شركات الطاقة أيضا اتهامات منفصلة لخداع المستثمرين بشأن مخاطر المناخ. في العام الماضي رفعت ولاية نيويورك دعوى قضائية ضد شركة إكسون موبيل، مدّعية أنها ضللت المستثمرين، وهي تهمة ترفضها الشركة بشدة.
تراقَب القضية الجارية عن كثب من قِبل بقية الصناعة، خاصة لأن قانون مكافحة الاحتيال في نيويورك، المعروف باسم قانون مارتن، هو من بين القوانين الأكثر صرامة في البلاد.
أما بالنسبة إلى الشركات، فهي تشير إلى أن التعاون وليس المواجهة، سيكون أكثر فاعلية لمعالجة تغير المناخ.
قالت شركة شل "نحن لا نعتقد أن قاعة المحكمة هي المكان المناسب لمعالجة التحدي العالمي لتغير المناخ"، بينما رأت شركة إكسون أن "معالجة تغير المناخ بطريقة هادفة تتطلب مشاركة عالمية، وإجراءات من قِبل الحكومات والشركات والمستهلكين".
وقالت شركة شيفرون بدورها "إنه يتم باستمرار رفض قضايا مماثلة، وإنها تركز على الحلول الحقيقية والإجراءات الهادفة إلى الاستثمار في التكنولوجيا وفرص الأعمال منخفضة الكربون".

تأثير الدومينو .. الفوز قطعة تلو قطعة

على الرغم من كل التحديات، إلا أن المدّعين لديهم ميزة واحدة: في حين إن على شركات الطاقة أن تدافع عن نفسها في كل قضية، إلا أنه يكفي أن يفوز المدّعون بقضية واحدة، كما قال ريتشارد وايلز، المدير التنفيذي لمركز تكامل المناخ، وهو منظمة غير ربحية تدعم المدّعين في التقاضي المتعلق بالمناخ، لإحراج الصناعة.
وأوضح قائلا "الاستراتيجية الحقيقية هي أن عليك رفع قضايا أكثر في أماكن أكثر. إذا فزنا بواحدة، فهذا يوجد سابقة، ثم نبدأ بالتتابع. بهذه الطريقة حدث الفوز في قضايا التبغ".

قضايا المناخ الرئيسة في أمريكا

أبريل 2007
في قضية ولاية ماساتشوستس ضد وكالة حماية البيئة، قضت المحكمة العليا بأن ثاني أكسيد الكربون نوع من التلوث ينبغي أن تنظمه وكالة حماية البيئة بموجب قانون الهواء النظيف.
في السابق، لم يتم يوصَّف ثاني أكسيد الكربون على المستوى الفيدرالي قط.
فبراير 2008
رفعت قرية كيفالينا في ألاسكا دعوى ضد شركة إكسون موبيل وغيرها من شركات إنتاج النفط، تطلب فيها تعويضات مالية بسبب الفيضان الذي أصاب القرية.
ترفض المحاكم في نهاية المطاف حجج كيفالينا.
يونيو 2011
قضت المحكمة العليا بأنه لا يمكن تحميل شركات الطاقة المسؤولية القانونية عن الأضرار الناجمة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لأن ثاني أكسيد الكربون ينظَّم من قبل الحكومة الفيدرالية.
أغسطس 2015
في قضية جوليانا ضد الولايات المتحدة، قاضت مجموعة من المراهقين الحكومة الأمريكية بسبب افتقارها إلى الإجراءات المتعلقة بتغير المناخ، بدعوى أن “نظام المناخ” الأمريكي ضروري لفهم حقوقهم في الحياة والحرية والملكية. القضية لا تزال قيد النظر.
يوليو 2017
أقامت ثلاث مناطق محلية في ولاية كاليفورنيا “مقاطعة سان ماتيو، ومقاطعة مارين، ومدينة إمبريال بيتش” دعاوى قضائية ضد شركات النفط، متهمة إياها بالإزعاج والإهمال بموجب قانون ولاية كاليفورنيا بسبب التأثير المناخي لمنتجاتها.
سبتمبر 2017
رفعت سان فرانسيسكو وأوكلاند دعاوى قضائية بشأن المسؤولية المناخية ضد شركات إنتاج النفط، وتسعى إلى الحصول على تعويضات لتغطية تكاليف التعامل مع ارتفاع منسوب مياه البحر وتأثيرات المناخ الأخرى.
رُفضت هذه الدعاوى في يونيو 2018، إلا أن الحكم قيد الاستئناف الآن.
يناير 2018
قدمت مدينة نيويورك دعوى قضائية ضد شركات النفط، تطالب فيها بتعويضات وتسعى إلى الحصول على تعويض عن إنفاق البنية التحتية المتعلقة بالمناخ.
أُسقِطت القضية، إلا أن قرار القاضي بإسقاط القضية هو الآن قيد الاستئناف.
يوليو 2018
رفعت ولاية رود آيلاند ومدينة بالتيمور قضايا بالتعويض عن أضرار التغير المناخي “بشكل مستقل” ضد شركات الوقود الأحفوري، وتطالب بالتعويضات للمساعدة على تسديد تكاليف الآثار الضارة لتغير المناخ.
أكتوبر 2018
أقام النائب العام لولاية نيويورك قضية تحايل ضد “إكسون موبيل”، يدعي فيها أن الشركة غررت بالمستثمرين بشأن المخاطر التي تشكلها الأنظمة الخاصة بالتغير المناخي على أعمالها.
مارس 2019
قدمت مجموعة من عشر ولايات، بما فيها نيويورك وكاليفورنيا، موجزا من “صديق المحكمة” في قضايا المسؤولية القانونية عن التغير المناخي، أقامتها سان فرانسيسكو وأوكلاند، في الوقت الذي تستأنف فيه المدينتان قرار إسقاط قضاياهما في المحكمة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES