الوحدة الاستراتيجية .. وتفعيل دور الإنسان

|

يقول "ألبرت أينشتاين" واضع نظرية النسبية الشهيرة "إذا أردت أن تحيا حياة سعيدة عليك أن تربطها بهدف"؛ ويقول "مايكل بورتر" أستاذ الاستراتيجية في جامعة هارفارد "تبدأ الاستراتيجية الجيدة بتحديد هدف مناسب". وهكذا نجد أن أمامنا في القولين: "حياة واستراتيجية وهدف": الحياة منحة من الله تعالى يجب جعلها مفيدة وسعيدة؛ والاستراتيجية، كلمة "إغريقية" تحمل معنى "التوجه" أي وجود تفكير في شؤون الحياة؛ و"الهدف" "مقصد" للتوجه ينبغي رسم الطريق إليه. وعلى الطريق هناك متطلبات يجب الاستجابة لها "بجد واجتهاد"، مع التأكيد على الالتزام "بمكارم الأخلاق"، وعلى مراعاة "الأنظمة والتشريعات". ولأن الحياة مراحل متجددة، فإن التمكن من تحقيق "هدف مقصود"، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة لتحقيق هدف آخر بتوجه جديد وطريق مناسب لتحقيقه. هذا ما تسعى "الوحدات الاستراتيجية" إليه في عملها وعطائها وفيما تحققه من طموحات.
"الوحدة الاستراتيجية" هي أي كيان يمكن أن يسعى إلى تحقيق "هدف". وعلى ذلك "فالإنسان الفرد" هو وحدة استراتيجية، وكذلك "الأسرة"، و"المؤسسة"، و"الدولة"، و"العالم بأسره". فالوحدة الاستراتيجية إذا يمكن أن تكون "شخصية فعلية" هي "الفرد"، ويمكن أن تكون "شخصية اعتبارية" تضم مجموعات من "الوحدات الاستراتيجية" والمكونات المرتبطة بها، على مستويات متعددة. ولعله لا بد من التأكيد هنا على حقيقة مهمة هي أن "الإنسان" هو العنصر الحي المحرك لجميع الوحدات الاستراتيجية على جميع المستويات. فهو الموجه لها نحو طريق يحقق أهدافا يتطلع إليها، ويسعى إلى جعلها حقيقة فاعلة.
الإنسان إذا هو "القلب" النابض لجميع الوحدات الاستراتيجية، هو "عقلها" المفكر، وهو "قائدها" الموجه، وهو "عاملها" القائم على تنفيذ متطلباتها، من أجل الوصول إلى أهدافها. وهو في ذلك ليس وحده فقد منحه الله "الطبيعة" من حوله، بكل ما فيها من مصادر ومعطيات تقدم إليه ثروة هائلة لم يستطع، بكل التقدم العلمي الذي أحرزه سوى استيعاب بعض يسير منها، وتسخيره في فوائد لا تعد ولا تحصى. ثم هناك "البيئة" التي يعيش فيها وما تقدم إليه من "تمكين" لقدراته و"عون" لاحتياجاته؛ وما تحيط به من "قواعد وتشريعات"، وربما قيود، تأمل تنظيم شؤون عمله. 
ولعله من المفيد هنا ملاحظة أن وجود "الإنسان" لا يأتي فقط في إطار تفعيل "وظائف الوحدة الاستراتيجية" وتوجيهها نحو تحقيقها هدفها، وإنما يبرز عند "الهدف" أيضا. فهدف الإنسان "كوحدة استراتيجية شخصية" يرتبط بذاته، وما يستطيع تحقيقه، خصوصا في مراحل النشأة والإعداد للمستقبل. وعلى ذلك فهو صاحب "انطلاق العمل" نحو الهدف؛ ثم هو صاحب الهدف الذي يحقق له الارتقاء بذاته والوصول إلى طموحاته.
 وإذا نظرنا إلى هدف أي مؤسسة "كوحدة استراتيجية" نجد أنه يقضي بتقديم معطيات تستهدف وحدات استراتيجية أخرى وتستجيب لمتطلباتها. وقد تكون هذه الوحدات شخصية أو قد تكون مؤسسات، وفي الحالتين هناك ضمن هذه الوحدات الإنسان الذي يتلقى المعطيات "ليحكم" على مدى استجابتها للمتطلبات، وليحدد بالتالي مدى نجاح "الوحدة الاستراتيجية" التي تقدمها. وهكذا نجد أن الإنسان يحتل الموقع الأهم في "إطلاق وظائف" أي وحدة استراتيجية؛ كما يحتل أيضا الموقع الأهم عند "الهدف" الذي تسعى إليه. وكي ينجح التعامل بين الطرفين لا بد للمعطيات من أن تكون متقنة، كي تحقق رضا المستفيدين.
يكمن نجاح الوحدة الاستراتيجية إذا في الإنسان. في "رجاحة فكره"، وفي "حسن توجيهه وإدارته"، وفي "جده واجتهاده" في عمله، "مستفيدا" في كل ذلك مما هو متاح له، وملتزما بما هو مطلوب منه. فإذا كانت الوحدة الاستراتيجية "إنسانا فردا"، يكون سر نجاحه كامنا في قدرته على تفعيل إمكاناته الذاتية في إطار ما هو متاح من جهة وما هو مطلوب من جهة أخرى. وإذا كانت الوحدة الاستراتيجية "مؤسسة"، فإن سر نجاحها يكون في تفعيل إمكانات جميع منسوبيها؛ وتوفير أقصى ما يمكن إتاحته لهم من إمكانات مفيدة، وجعل المتطلبات التي يمكن أن تقيدهم عند الحد الأدنى.
ولعله تقضي الإشارة هنا إلى أن دور المنسوبين في نجاح المؤسسة يأتي بقدر "تأثير" كل منهم في عملها، فهؤلاء بذاتهم "وحدات استراتيجية" لكل منها هدف وإمكانات ومعطيات متاحة وأمور مطلوبة. فتأثير "الفكر والتوجيه" في الإدارة العليا يصل إلى الجميع، سواء سلبيا أو إيجابيا، وتأثير باقي العاملين يأتي بقدر أهداف ومهمات العمل الملقاة على عاتق كل منهم. ويقضي السعي إلى النجاح بتفعيل دور الجميع والاهتمام بأدائهم، لأن الخلل، مهما كان محدودا، مرض معد سريع الانتشار، قد يهبط بالمؤسسات إلى مستويات لا تحمد عقباها.
تواجه "الوحدات الاستراتيجية" على جميع المستويات "تنافسا" مع "وحدات استراتيجية" أخرى تماثلها. هناك تنافس على مستوى الدول، وعلى مستوى المؤسسات، وعلى مستوى الأفراد أيضا. ولا شك أن قدرة الدول على المنافسة تكمن في قدرة مؤسساتها؛ ويتبع ذلك أن قدرة المؤسسات على التنافس تكمن في قدرة منسوبيها. ويتأثر كل ذلك بما هو متاح لأي من الوحدات وما هو مطلوب منها. ويؤثر التنافس في تفعيل السعي نحو "التميز"، وهو أمر مرغوب من الجهات المستفيدة، أي الوحدات الاستراتيجية المتلقية للمعطيات من الوحدات الاستراتيجية المنتجة لها.
هناك، إضافة إلى "التنافس" بين الوحدات الاستراتيجية، "تعاون" يمكن تفعيله. ويتم ذلك عبر تحالفات تحد من التنافس بين المتحالفين، لكنها تزيد التنافس على "التميز" مع تحالفات أو وحدات أخرى إن وجدت. ويتجلى التنافس في عصر المعرفة الذي نعيش فيه في القدرة على "الإبداع والابتكار" وتوليد معرفة جديدة والقدرة على توظيفها لمصلحة الأهداف المرجوة، وربما لوضع أهداف جديدة أكثر طموحا.
يحتاج المستقبل المأمول إلى "تفعيل دور الإنسان" والاستفادة من كامل إمكاناته، وشغفه في التميز، وقدرته على الإبداع والابتكار، وذلك في "جميع الوحدات الاستراتيجية"، وعلى "جميع المستويات". ويتطلب ذلك توفير المصادر الداعمة، والحد من العوائق. ويضاف إلى ذلك ضرورة الانطلاق من أهداف وتوجهات استراتيجية، ترسم مسيرة النجاح المطلوب؛ وتؤكد على تجدد الأفكار؛ وعلى إدارة قادرة تتوخى الجودة، فاعلية وكفاءة ورشاقة في أداء الأعمال.

إنشرها