العقود الاستشارية للأجهزة الحكومية

|

تبدأ قصة "العقود الاستشارية" من أحداث صغيرة، سرعان ما تتحول في عام إلى عامين لاحقا إلى أن تصبح القصة الأكبر لدى عديد من الأجهزة الحكومية. بعض تلك القصص يبدأ بمناقشة في اجتماع لجدول أعمال إحدى الإدارات في جهاز حكومي، يتم بحث تطورات الأعمال وما أنجز وما لم ينجز، ثم يصطدم المجتمعون بأن ما لم ينجز هو الأكبر حجما، والأكثر عددا! وأمام حجم الصدمة، وهربا من تحمل أحد من الحاضرين أو حتى جميعهم مسؤولية عدم الإنجاز، وتأخر أداء المهام وواجبات الأعمال، يأتي الحل السحري من أحدهم كعادته القديمة؛ قائلا: يجب أن يتم التعاقد مع شركة كبيرة لديها الخبراء المؤهلون، والخبرات الطويلة لإنجاز هذا المشروع المتأخر!
تنفرج أسارير الجميع لهذا المقترح الفذ، وما هي إلا أشهر قليلة وتبدأ الشركة التي تم التعاقد معها بملايين الريالات في ممارسة مهامها التعاقدية، وسرعان ما تجد أن كل مشكلة عدم إنجاز لأي من المشاريع الموكل مسؤوليتها لتلك الإدارة قد توزعت بين عدة شركات، وهكذا الأمر يسير مع بقية الإدارات في ذلك الجهاز الحكومي، والقصة ذاتها تتكرر بشكل أو بآخر في أجهزة حكومية أخرى. عقود فوق عقود، وشركات فوق شركات، وخبراء فوق خبراء، وتتكرر الاجتماعات لاحقا مع ممثليها للتعرف على ما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه، ثم يصطدم الجميع مرة أخرى بعدم إنجاز جوانب معينة من أي من تلك المشاريع. لكن الحل يأتي سريعا؛ إما إلغاء عقد هذه الشركة والتعاقد مع شركة أخرى، أو التعاقد مع أخرى بناء على توصية الشركة المتعاقد معها سابقا، كون تنفيذ تلك الجوانب المتأخر تنفيذها يتطلب وجود شركة متخصصة في تلك المجالات، التي لا تدخل في اختصاص الشركة القديمة.
جدير بالتأكيد عليه هنا؛ أن مسائل تعاقد الأجهزة الحكومية مع شركات استشارية لتنفيذ أي مشاريع، لا يعني ما تقدم أن كل التعاقدات الحكومية في هذا الخصوص على خطأ أو تعاني أي نوع من المشكلات المتعلقة بتأخير أو عدم قدرة ونقص تأهيل، إذ يوجد فعليا ما يبرر تلك العقود لعديد من الاعتبارات، والمؤكد أيضا أن من تتمتع بتلك الاعتبارات القيمة قليل جدا عددها، ومن الخطأ الفادح إسباغ أي من تلك الاعتبارات على عقود أخرى لا يوجد في الأصل ما يبررها من قريب أو بعيد.
إن الأجهزة الحكومية التي ذهبت بعيدا في طريق إبرام كثير من العقود الاستشارية، وتحميل الميزانية العامة تكاليف سنوية هائلة، مضافا إليها أجورا شهرية عالية وبدلات ومكافآت تحفيزية يتقاضاها المسؤولون على رؤوس الإدارات التي تعاقدت مع الشركات، في الوقت ذاته الذي أناب عن أولئك المسؤولين وبعض الموظفين تحت إدارتهم تلك الشركات، للقيام بأداء المهام والمسؤوليات الموكلة إليهم أصلا، أؤكد أن أقل ما يقال عنه إنه أحد أكبر أشكال الهدر المالي للمال العام، ومهما كانت القيمة المضافة لمخرجات تلك المشاريع، وفقا لما مرت به من ازدواج مالي كبير وصل إلى مستوى الهدر، فلا شك أنها تحققت عبر أكثر الخيارات تكلفة على كاهل الميزانية العامة تحديدا، وعلى كاهل الاقتصاد الوطني بشكل عام، وأنها تحققت وفق أدنى مستوى لكفاءة الإنفاق الحكومي.
ليس هذا أول حديث أو نقاش عام حول هذا الجانب، ولن يكون بكل تأكيد الأخير! إنما اللافت في الأمر رغم ما حظي به من اهتمام واسع جدا، بدءا من مجلس الشورى والأجهزة الحكومية الرقابية، مرورا بكل ما دار حوله عبر مختلف وسائل الإعلام، وانتهاء بالمشاركات والنقاشات الطويلة جدا حوله عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن دائرة تلك العقود الاستشارية آخذة في الاتساع والتضخم فترة بعد فترة، بل حتى وصلت تلك العقود الاستشارية إلى أعمق المجالات حساسية في الأجهزة الحكومية، ممثلة في الجوانب المتعلقة بالتقنية وأنظمة الحاسب، رغم التحذيرات الأمنية من الأجهزة الحكومية المعنية بحماية الأمن السيبراني لدينا.
وفيما يتعلق بالجانب الأخير أعلاه؛ كيف ذهب بهم ظن العاملين في مجال أنظمة الحاسب في بعض الأجهزة الحكومية، ممن تجاهل تلك التحذيرات؛ ليقوم بإبرام عقود طويلة الأجل بمبالغ مالية هائلة مع شركات في تلك المجالات، لا تتوافر لديها أدنى الشروط والضوابط التي وضعها الأمن السيبراني لدينا؟!
إنه كما تؤكد التطورات التي وصلت إليها أحوال عديد من الأجهزة الحكومية في هذا الخصوص، أصبح من الضرورة القصوى بمكان وزمان على حد سواء، أن يتم اتخاذ تدابير وإجراءات أكثر حزما وصرامة تستهدف تحقيق مزيد من الضبط والتوجيه والرقابة والمساءلة والعقاب، أولا لوقف الهدر المالي الناتج من الإفراط في إبرام عقود استشارية لا توجد لها أي اعتبارات ذات قيمة إلا في رؤوس من وقف خلفها من البعض، وثانيا لحماية الأجهزة الحكومية من أي اختراقات محتملة، وهي الاحتمالات التي أصبحت أقرب للتحقق من أمر آخر في خضم التحولات التقنية الهائلة في كل أنحاء العالم خلال العصر الراهن.
الوقاية خير من العلاج؛ وإنه لأمر على أعلى درجات الأهمية القصوى، أن نستعيد جميعا زمام أمورنا، والسيطرة المحكمة على مقدراتنا ومواردنا ومصالحنا، والمحافظة بكل قوتنا وقدرتنا على سلامة وأمن أعمال جميع أجهزتنا الحكومية، وأن تتم ترجمة هذه المتطلبات القصوى على أرض الواقع اليوم قبل الغد، والأخذ في الحسبان المكانة والأهمية الدولية العليا التي تحظى بها بلادنا بما حباها الله من ثروات وموارد وإمكانات، التي تتجاوز بما لا مجال لمناقشته الحدود العليا لتفكير مسؤول متقاعس أو مهمل أو غير مدرك لتلك الاعتبارات، ولا للمكانة المتميزة التي تتمتع بها بلادنا ومجتمعها، إلا أنه قد وجد - مع الأسف الشديد - أمامه طريقا ممهدا لإبرام عقود استشارية مع جهات تحت أدنى حد من الشروط والضوابط اللازمة. فهل نرى في القريب العاجل إصلاحا جذريا لهذا الجانب الوطني الأعلى أهمية؟! والله ولي التوفيق.

إنشرها