تكامل الحلول والبرامج في مواجهة التحديات التنموية

|


يوجد عديد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المهمة جدا، التي قد لا ينتبه إليها عديد من الأجهزة الحكومية حال تصميمها مختلف برامجها وخططها المتعلقة بتنفيذ ما لديها من مهام ومسؤوليات، في الوقت ذاته الذي كان من الضرورة القصوى، أن تحتل تلك المؤشرات والجوانب الحيوية مكانها المستحق أثناء ابتكار وتصميم أي برامج أو خطط، تعكف عليها أي من الأجهزة الحكومية، وأن تأخذ في الحسبان المتغيرات الأخرى كافة، وأن تتشارك دراستها والبحث العميق فيها بالتكامل مع بقية الأجهزة الحكومية ذات العلاقة المباشرة، حتى منشآت القطاع الخاص العاملة في المجالات المحتمل تأثرها بتلك البرامج أو السياسات المخطط لها.
يقف حدوث مثل هذه الجهود غير المكتملة، هو ما يؤدي لاحقا إلى اكتشاف أوجه القصور أو الآثار العكسية لأي من تلك البرامج، ومن ثم يبدأ العمل من جديد على تعديل وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وقد تتكرر الأخطاء مرة أخرى بتجاهل مشاركة الأجهزة الأخرى ذات العلاقة، أو إقرار مسار آخر لتلك البرامج تتركز نظرة القائمين عليها في معالجة أوجه القصور أو الآثار العكسية، وتكرار خطأ إغفال جوانب حيوية أخرى، ستظهر آثارها العكسية لاحقا، والدوران من ثم في حلقة مفرغة من التصميم غير المتكامل مع بقية الأطراف ذات العلاقة، ثم العودة إلى معالجة أوجه القصور والآثار المترتبة عليها، دون الاهتمام الكافي واللازم بالمتغيرات الواجب أخذها في الحسبان كافة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد فحسب؛ بل يتجاوزه إلى إحداث إرباك لدى أجهزة حكومية أخرى، أو لدى المنشآت العملاقة والكبرى في القطاع الخاص، نتيجة امتداد الآثار العكسية لما تقدم ذكره أعلاه إلى المجالات التي تشرف عليها أو تعمل فيها، ما قد يضطر تلك الأجهزة والمنشآت إلى مراجعة برامجها وخططها من جديد، في الوقت ذاته الذي قد تكون تلك البرامج والخطط جيدة وملائمة، وكان قد تم تصميمها بناء على دراسات طويلة وأبحاث دقيقة، وما حدث من آثار عكسية هنا لا يقع تحت مسؤولياتها أولا، وثانيا لم يكن حدوثه متوقعا أثناء الدراسة والبحث التي سبقت برامجها وخططها الجيدة.
لماذا قد يحدث كل هذا؟ الإجابة واسعة النطاق، وسيختلف - بالتأكيد - متنها حسب كل حالة من الحالات، أخذا في الحسبان الأول مستوى تأهيل وخبرة فرق العمل التي تعكف على مهامها في هذا الشأن، إنما العامل الأكثر تكرارا الذي ستجده ماثلا أمامك في أغلب تلك الحالات إن لم يكن كلها؛ هو الاهتمام الشديد بمعالجة "المشكلة الرئيسة" التي من أجلها بدأ العمل على وضع وتصميم تلك البرامج والخطط!
نعم، لدى هذا الجهاز الحكومي أو غيره من الأجهزة الأخرى، مشكلة أو حتى عدة مشكلات، ويقتضي دورها وواجبها الرئيس أن تعمل بكل طاقتها ومواردها على إيجاد الإجراءات اللازمة لمعالجتها، والعمل على تنفيذها دون تأخير. إنما لا بد من الأخذ في الحسبان أن تتكامل جهودها هنا مع ما قد يتقاطع مع مسؤوليات ومجالات أخرى، تقع في مناطق تخضع لأجهزة ومنشآت أخرى، وألا تأتي أي حلول أو برامج يتم إقرارها على حساب جهود ومسؤوليات تلك الأطراف الأخرى. والأهم من كل ذلك؛ ألا تأتي نتائج أي برامج أو سياسات قد يتم اقتراحها على حساب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو الجانب الأهم - بكل تأكيد - في خضم كل ما تقدم الحديث عنه.
يغلب على ما تقدم ذكره الجانب النظري، لكنه بالنظر إلى عديد من المجريات على أرض الواقع، ستجد أن جزءا كبيرا منه ماثلا أمامك، وقد تراه حدث فعليا خلال العقد الماضي من الزمن، وبعضه الآن قطع نصف الطريق، وبعضه الآخر للتو قد بدأ. إنه ما قد تم مشاهدته ولا يزال قائما حتى تاريخه في مجالات حيوية كسوق العمل المحلية، وسوق الإسكان، والقطاعات الأخرى في الصحة والتعليم والخدمات البلدية، وهي المجالات التي تحضر دائما في المقدمة كونها الأكثر علاقة بشؤون حياة أفراد المجتمع.
وما نتج حتى تاريخه من برامج التوطين الراهنة، على كثرتها وكثرة التعديلات التي تمت عليها طوال نحو عقد زمني مضى، لم تقترب من الأهداف التي وضعت من أجلها، على الرغم من بعض النجاحات التي تحققت لها في ميادين، إلا أن الميادين الأخرى التي قصرت عنها تظل أكبر حجما وعددا، وما المحصلة النهائية باستمرار ارتفاع معدل البطالة، وعدم قدرة العاطلين والعاطلات من المواطنين على حصولهم على الوظائف المناسبة لمؤهلاتهم إلا أحد الشواهد القوية، ويزداد الأمر وضوحا فيما يتعلق بحملة الشهادة الجامعية فأعلى منهم، الذين يشكلون أعلى نصف أعداد العاطلين.
وقس على ذلك ما يجري في سوق الإسكان، التي تركزت أغلب الحلول على الجانب التمويلي، دون التركيز اللازم والمطلوب على ضرورة تفعيل الأدوات الهادفة إلى كبح التضخم الكبير لأسعار الأراضي والعقارات، ما سيؤدي لاحقا إلى عودة الأسعار إلى الارتفاع بمعدلات أكبر مما كانت عليه قبل عدة أعوام، وإلى زيادة استقطاع أعلى من نصف دخل مئات الآلاف من الأفراد لفترات تمتد إلى 20 عاما فأكثر، وما سيتركه ذلك من آثار عكسية على الإنفاق الاستهلاكي الخاص، الذي سينتقل أثره بصورة مباشرة إلى خفض التدفقات الداخلة على أغلب منشآت القطاع الخاص، وما سينتج منه من عجز تلك المنشآت عن الوفاء بأدوارها تجاه الاقتصاد الوطني والتوظيف، بل قد تضطر إلى خفض حجم العمالة لديها، للتكيف مع التطورات المرحلية والبقاء على أقدامها في بيئة الأعمال، ما سيزيد الضغوط على وزارة العمل! وما ستؤدي إليه مثل هذه التوجهات من نشوء مخاطر محتملة على القطاع التمويلي، في حال كانت العمالة المستغنى عن خدماتها تتحمل قروضا عقارية طويلة الأجل، وأصبحت بعد هذه الإجراءات عاجزة عن الوفاء بالمستحقات واجبة الدفع عليها تجاه البنوك والمؤسسات الممولة، وهذا ما سيزيد الضغوط على مؤسسة النقد، ووزارة المالية التي ستجد نفسها أمام فاتورة كبيرة لدعم النمط الجديد لقروض الإسكان.
إننا أمام تحديات تنموية عديدة، بعضها مضى عليه ما يقارب عقدا من الزمن، ونحن اليوم في مواجهة أكبر مع نتائج برامج حلولها السابقة أكثر من مواجهة المشكلة التنموية الأساسية، وبعضها الآخر للتو بدأنا في مواجهته، وستظهر آثار برامجها الراهنة في المستقبل القريب! كل هذا يقتضي إعادة بناء وتصميم للبرامج، لكن بمنظور أوسع بكثير من الوضع الراهن، ووفق آليات أكثر تكاملا وتوافقا بين الأجهزة والمنشآت ذات العلاقة، وهو الأمر السهل تنفيذه في ظل الإمكانات والموارد الهائلة المتوافرة الآن لاقتصادنا - بحمد الله. والله ولي التوفيق.

إنشرها