الشراكة في الابتكار .. وسائل وأساليب

|

تستطيع "الشراكة في العمل" بين طرفين أو أكثر تقديم معطيات جديدة تتفوق على مجمل ما تقدمه إفراديا كل من أطراف الشراكة، ويقود ذلك إلى نجاح تسجل مكاسبه، سواء كانت مادية أو معنوية، لجميع هذه الأطراف؛ ويعبر عن ذلك عادة بكلمة "تعاون أو تعاضد Synergy". ولعل مكاسب عطاء الشراكة تتجلى بصورة خاصة في "العمل المعرفي". ويقول الكاتب الشهير "جورج برنارد شو George Bernard Shaw"، في هذا المجال، التالي: "لو أن لدي فكرة ولديك أخرى وبادلناهما، لأصبح لدى كل منا فكرتان" بدلا من واحدة. وقد تتلاقح الفكرتان، بعد ذلك، في ذهن كل طرف لتُقدم مزيدا من الأفكار، ولتعود الشراكة مرة أخرى إلى تحقيق مزيد من "العطاء المعرفي" الذي قد يحمل قيمة مادية أو معنوية أو الاثنتين معا.
"الشراكة في الابتكار Innovation Partnership" بين المؤسسات، هي "شراكة معرفية واعدة"، خصوصا أن الابتكار يستهدف "الأفكار القادرة على الإسهام في التنمية" اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا، كما طرحنا في مقال سابق. وقد اهتمت بهذا الأمر "منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO" التابعة "للأمم المتحدة UN"، وأصدرت أخيرا، عام 2019، وثيقة تتضمن توصيات حول هذا الموضوع. وقد جاء ذلك في إطار الاهتمام الدولي المتزايد "بتفعيل الابتكار في المؤسسات" وإصدار وثائق توصيات بشأن ذلك؛ لعل أبرزها "الوثائق الست" التي أصدرتها "اللجنة الأوروبية للمواصفات المعيارية CEN" خلال الفترة 2013 إلى 2015، التي ذكرناها في مقال سابق.
يهتم هذا المقال بطرح ومناقشة "الشراكة في الابتكار" على أساس ما ورد في مضمون وثيقة "منظمة المواصفات المعيارية الدولية ISO" حول هذا الموضوع. يشمل هذا المضمون جانبين رئيسين: يعطي الجانب الأول إطارا عاما يهتم بتحديد الوظائف المطلوبة "لإقامة الشراكة المستهدفة والعمل على إدارتها"؛ بينما يركز الثاني على "الوسائل والأساليب اللازمة لتنفيذ هذه الوظائف". وهذا يعني أن الجانبين يتصفان بالترابط، وأن ما يربطهما هو الوظائف التي ينبغي أخذها في الحسبان من أجل "إقامة الشراكة وإدارتها" على أفضل وجه ممكن. وتشمل هذه الوظائف: "إقامة الشراكة Entry to Innovation Partnership"؛ و"اختيار الشركاء Partner Selection"؛ ثم "التنسيق معهم Partner Alignment"؛ إضافة متطلبات "التعامل بين الشركاء Interactions between Partners".
سنبدأ بوظيفة "إقامة الشراكة" التي تنطلق من توجه المؤسسة نحو "الابتكار". فعلى المؤسسة هنا أن تقوم "بدراسة الفجوة" بين "واقع المؤسسة" من حيث إمكاناتها الذاتية من جهة، وبين "احتياجاتها" الناتجة عن توجهها نحو الابتكار من جهة أخرى. وتشمل دراسة الفجوة: التعرف على "حالة المؤسسة"، بما يتضمن: أرصدتها، وقدراتها، ومكانتها التنافسية، وأدائها؛ ثم تحديد "احتياجاتها" المرتبطة بتوجهاتها بما يتضمن ذات العناصر؛ إضافة إلى إيجاد ما يجب فعله لإغلاق الفجوة، حيث تبرز الحاجة إلى الشراكة مع أطراف أخرى. ويمكن، في التوجه نحو تنفيذ الشراكة استخدام أساليب مثل: "سلسلة القيمة Value Chain"؛ و"مؤشرات الأداء KPI"؛ و"القيم الدالة Bench Marks" المرتبطة بها؛ و"بطاقات النتيجة Score Cards"؛ و"تحليل مواطن القوة، ومكامن الضعف، والفرص، والعوائق SWOT Analysis"؛ وغير ذلك. فإذا كانت دلائل الفجوة تشير إلى أن الإمكانات الذاتية للمؤسسة غير قادرة على الاستجابة إلى هذه الاحتياجات، عندئذ يكون عليها أن "تبحث عن شركاء" ترتقي بإمكاناتها من خلالهم من جهة، وتقوم أيضا بتعزيز إمكاناتهم من جهة أخرى.
وننتقل إلى وظيفة "اختيار الشريك" التي تتضمن وضع قائمة بالشركاء المحتملين، والقيام "بدراسة الإمكانات الذاتية والاتفاقيات الخارجية لكل شريك محتمل". ويشمل مثل هؤلاء الشركاء عادة، مؤسسات تعمل في مختلف المجالات مثل: المجال المالي كالبنوك، والبحثي كالجامعات، والأعمال المشابهة كالمؤسسات المنافسة، إضافة إلى مؤسسات تعمل في مجالات أخرى. كما يشمل هؤلاء الشركاء أيضا أفرادا: مثل زبائن المؤسسة، ومثل الخبراء في المجالات المطلوبة، حيث يبرز هنا موضوع "الابتكار المفتوح Open Innovation" الذي تحدثنا عنه في مقال سابق. وعلى أساس دراسة إمكانات الشركاء المحتملين، يجري ترشيح بعضهم للشراكة في قائمة أولويات، ثم يتخذ قرار بشأن الشريك أو الشركاء الذين تم اختيارهم. وتستخدم في سبيل ذلك وسائل مختلفة مثل "جداول القرار Decision Matrices"؛ و"أوزان الأهمية Importance Weights" للعوامل المختلفة؛ و"الطرق الإحصائية Statistical Methods"؛ وغير ذلك.
ونأتي إلى وظيفة "التنسيق مع الشريك أو الشركاء". ويشمل ذلك: التفاهم على تحديد "توجهات للعمل المشترك" مثل التعامل مع الزبائن؛ وتوقيع "اتفاقيات حول مراعاة حساسية العمل"، مثل اتفاقيات سرية المعلومات المتداولة بين الشركاء. ويوصى في هذا المجال بمراعاة مجموعة من المتطلبات مثل: بيان "الفوائد" الناتجة عن كل من التفاهمات والاتفاقيات؛ وتحديد العوامل "المفعلة للشراكة"، وكذلك العوامل "الداعمة لمعطياتها"، إضافة إلى "العوامل المؤثرة" في مسيرة الشراكة ومنجزاتها.
ونصل أخيرا إلى وظيفة تحديد "متطلبات التعامل بين الشركاء" التي تكمل وظيفة "التنسيق" سابقة الذكر. وبالطبع تعتمد متطلبات التعامل المستهدفة على "طبيعة الشراكة"، لكن هناك "قضايا عامة" يجب وضع اتفاقيات بشأنها "كوسائل لضمان تنفيذها". ومن أبرز هذه القضايا: "تنظيم الشراكة، وحوكمة نشاطاتها، وإدارة الشؤون المالية ذات العلاقة، والتعامل مع مصادر التمويل، والالتزام بالمسؤولية في الأعمال المختلفة، والسعي إلى التطوير المستمر دون توقف، والاهتمام بالمصادر الفكرية، والمحافظة على حقوق الملكية الفكرية، وتحديد حالات إنهاء الشراكة، وغير ذلك".
تتمتع "الشراكة في الابتكار" بأهمية كبيرة، لأنها "تفعل الابتكار وتعزز معطياته"، حيث تمثل هذه المعطيات رافدا مهما للتنمية في عصر المعرفة الذي نعيش فيه، تستفيد منه المؤسسات، وترتقي من خلاله الأوطان. وتبرز هنا "شراكة مهمة واعدة" ينبغي أخذها في الحسبان والعمل على إدارتها بكفاءة وفاعلية، ربما طبقا لما ورد في هذا المقال من معايير مطروحة على المستوى الدولي. هذه الشراكة هي بين "مؤسسات الأعمال ومؤسسات القطاع العام من جهة، والجامعات من جهة أخرى". ففي ذلك عطاء معرفي مفيد، يمكن للجامعات أن تقدمه للمؤسسات، لا يقتصر على المجالات العلمية فقط، بل يشمل شؤون الإدارة والتسويق والتعامل المالي والثروة البشرية أيضا. والأمل أن تأخذ مثل هذه الشراكة طريقها إلى التفعيل ومزيد من العطاء في المستقبل.

إنشرها