علاقة الناتج بأسعار العقارات

|


بلغت أسعار العقارات في المملكة قمتها في الربع الرابع من عام 2014، ثم تراجعت تدريجيا خلال ما يزيد على أربع سنوات بما يقارب خمس قيمتها، حسبما تفيد به نشرة الرقم القياسي لأسعار العقارات للربع الأول 2019. تراجعت أسعار العقارات السكنية بنسبة تقل قليلا عن التراجع العام لأسعار العقارات، وصلت إلى نحو 18 في المائة، بينما تراجعت العقارات التجارية بنسبة أكبر من التراجع العام بلغت نحو 26 في المائة خلال السنوات الماضية. وتؤكد البيانات أن هبوط أسعار العقارات واضح وجلي وملموس، وليس محدودا كما يظن البعض. عانت أسعار العقارات التجارية هبوطا يفوق هبوط أسعار العقارات السكنية، وهذا قد يكون مؤشرا على تراجع الأنشطة التجارية أو تراجع العائد عليها. أما تراجع أسعار العقارات السكنية، فيرجع إلى ازدياد عدد المساكن المعروضة للبيع أو الإيجار أو قلة الطلب عليها، أو خليط من الاثنين بسبب التغيرات السكانية والهيكلية.
تعد العقارات من أفضل الاستثمارات الآمنة والملموسة، التي تحفظ الثروة وتخزنها وتحميها من تضخم الأسعار، كما تولد للمستثمرين فيها منافع مستديمة وطويلة الأجل، سواء من خلال استخدامها للسكن أو العمل أو استغلالها استثماريا. وتتأثر أسعار العقارات بمعدلات التضخم العامة، لذا فإن جزءا من زيادات أسعار العقارات راجع إلى التضخم، لكن المشاهد في كثير من دول العالم ارتفاع أسعار العقارات بمعدلات تفوق معدلات التضخم. من جهة أخرى، تؤثر عوامل العرض والطلب في أسعار العقارات، شأنها شأن باقي السلع والخدمات الاستهلاكية والرأسمالية. وتعد تغيرات الدخل من أبرز العوامل المؤثرة في الطلب، وتستخدم قيم ونمو الناتج المحلي ومتوسط دخول الأفراد مؤشرات للدخل. وهذا لا يلغي دور عوامل الطلب والعرض الأخرى، التي تؤثر في أسعار العقارات، مثل عدد وخصائص السكان، والأنظمة والضرائب ذات العلاقة، والمساحات المتوافرة أو المخصصة لاستخدامات عقارية معينة، والتغيرات الاقتصادية، وعوامل الجذب للمواقع العقارية.
تشير بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي للناتج المحلي الإجمالي الاسمي إلى تراجعه في 2015 بنحو 13.5 في المائة مقارنة بعام 2014 بسبب الهبوط الكبير في أسعار النفط. وشهد عام 2014 صعود أسعار العقارات إلى أعلى مستوياتها. واصل الناتج المحلي الإجمالي تراجعه بنسبة بسيطة في 2015، لكنه صعد في عامي 2017 و2018 بنسب جيدة، بل شهد العام الماضي نموا قويا بسبب تحسن أسعار النفط حتى تجاوز الناتج المحلي الإجمالي مستويات 2014. نما الإنفاق الاستهلاكي الخاص في 2018 مقارنة بـ2014 بنحو 23 في المائة، بينما تراجع إجمالي تكوين الإنفاق على تكوين رأس المال خلال الفترة بنسبة تقارب 12 في المائة. شهد الإنفاق على المباني السكنية تغيرات محدودة في حين تراجع الإنفاق على الإنشاءات غير السكنية بنحو 30 في المائة في 2017 مقارنة بعام 2014.
أظهر الناتج المحلي الاسمي للفرد تغيرات ملحوظة خلال السنوات الخمس الماضية، وبلغ أعلى مستوياته في عام 2013 عندما وصل إلى 95.300 ألف ريال، ثم تراجع بشكل محدود في العام التالي وانخفض بشكل ملحوظ في عام 2015 وواصل تراجعه في العام التالي حتى بلغ 76083 ريالا للفرد. عاود الناتج المحلي للفرد النمو في العامين التاليين حتى بلغ 87818 في 2018. وتتأثر أسعار العقارات بالناتج المحلي الإجمالي وللفرد، حيث تقود زيادة الأفراد ودخولهم إلى زيادة طلبهم على الاستهلاك والاستثمار في العقارات. حفز تراجع الناتج المحلي للفرد في عامي 2015 و2016 تراجع أسعار العقارات، لكن لم يفلح التحسن في الناتج المحلي للفرد في العامين التاليين في عكس موجة تراجع الأسعار.
تظهر بيانات معظم دول العالم ترابطا إيجابيا بين نمو الناتج الإجمالي للفرد والأسعار الاسمية وأسعار العقارات. ويعود تراجع أسعار العقارات في المملكة جزئيا، إلى تراجع معدلات دخل الفرد، لكن معظم التراجع الحاصل في المملكة عائد إلى عوامل أخرى، أهمها انفجار فقاعة العقار، التي استمرت عدة سنوات حتى عام 2014، ورفعت من تكاليفه فوق إمكانات جزء كبير من السكان. ويستغرق التعافي من الفقاعات العقارية سنوات من التحسن الاقتصادي حتى ترجع الثقة به، وهذا مشاهد في كثير من الدول، حيث تستمر موجة تراجع أسعار العقارات سنوات بعد التحسن الاقتصادي. من جهة أخرى، تقود توقعات تراجع أسعار العقارات إلى تراجع الطلب والاستثمار فيه، كما تؤدي تغيرات الأنظمة وبعض التغيرات الهيكلية في الاقتصاد إلى خفض الطلب ورفع تكاليف تداول اقتناء العقارات. عموما، فإن عودة النمو إلى الناتج المحلي واستمراره، سيقودان إلى التأثير إيجابا في أسعار العقارات وعودتها إلى الارتفاع مجددا.

إنشرها