المعايير الرئيسة لتحقيق الرضا الوظيفي

|


عند الشروع بالبدء بمهنة معينة، يجب أن نسأل أنفسنا عدة أسئلة. فاجأت لوسي كيلاواي، الكاتبة في صحيفة "فاينانشيال تايمز"، مجتمع الأعمال عندما تركت عملها الذي بقيت فيه أكثر من 30 عاما، معلمة في مدرسة ثانوية. كانت مسيرتها المهنية ناجحة، حصدت خلالها عديدا من الجوائز، إضافة إلى تقاضيها أجرا كبيرا. لوسي، صحافية تتقن عملها، لكن على ما يبدو توجد عوامل أخرى لعبت دورا مهما في اتخاذها مثل ذلك القرار.
يواجه عديد منا قرارات تتعلق بكيفية شغل وقتنا بشكل أفضل. وليس من الضروري أن نتخذ قرارا بتغيير مهنتنا بشكل جذري، لكن يكون لذلك أهمية عندما يتعلق الأمر بمشاعرنا والمعارف المكتسبة أو جوانب أخرى من حياتنا المهنية. على سبيل المثال، عندما تعمل لحسابك، يمكن لعملائك إحداث فرق كبير. وفي حال عملك في شركة خدمية محاميا، أو محاسبا، أو استشاريا، فإن نوعية المشاريع التي تعمل عليها قد تحدث فرقا كبيرا. كعضو في مجلس إشرافي، عليك أن تقرر إلى أي مجلس ترغب في الانضمام. حتى في الشركات الكبرى، عليك أن تختار القسم الذي ترغب في العمل فيه.
هناك اتجاه لتحقيق استجابة تلقائية على الرغم من كون الخيارات المتعلقة بالمسيرة المهنية تعد أمرا حاسما للنجاح، إلا أننا لا نعطيها الأهمية التي تستحق. فعندما تظهر أمامنا فرصة على نحو مفاجئ، قد نقبلها أو نرفضها دون التفكير مليا في الاحتمالات الأخرى. قد نخاف رفض تلك الفرصة خشية عدم حصولنا على أخرى، وبناء عليه نتخذ قرارنا بالاستناد إلى العرض القائم.
العمل الذي ينطوي على تحديات ليس أمرا سيئا، وقد نتعلم منه دروسا جديرة بالاهتمام، لكنه سيستنزفنا على المدى الطويل: لن ينعكس ذلك على أدائنا فقط، وسيتطلب منا طاقة أكبر دون تحقيق استفادة فعلية. لذلك السبب، من الضروري النظر إلى بداية حياتنا المهنية بخيار يعد الأمثل لنا.
يتمثل التحدي اللاحق في الحكم على الأمور بطريقة صحيحة. فالأشياء التي نعتقد أنها ذات أهمية، قد لا تكون غالبا كذلك. فمن الأخطاء الشائعة التي أراها، هي كوننا نحدد ما هو لمصلحتنا بناء على معايير غير وثيقة الصلة. فنحن نميل بشدة إلى تحديد الأولويات بناء على القطاع، أو اسم الشركة، أو المسمى الوظيفي.
قد نرى للوهلة الأولى أن تلك المعايير صحيحة، لكنها من الناحية العملية ليس لها علاقة كبيرة بالرضا الوظيفي. وغالبا ما تكون أكثر المهن أو المشاريع إثارة هي تلك التي قللنا من أهميتها. وقد اختبرت ذلك بنفسي خلال فترة عملي في ماكينزي. فخلافا لكل التوقعات، كان مشروع إعادة تنظيم المواصلات العامة في هانوفر، أحد أكثر المشاريع المثيرة للاهتمام التي عملت عليها، وأكثر من تحديد استراتيجية إلكترونية لشركة إعلام معروفة. أما فيما يتعلق بالمجالس الإشرافية، لم يكن لحجم الشركة أو القطاع علاقة بحالة الرضا والإشباع التي اكتسبتها من عملي في المجلس.
وأن الأسئلة التي يجب عليك طرحها: ما الذي يحدث الفرق؟ هناك ثلاثة عوامل:
أولا، إلى أي مدى تشعر بالرضا عن القيم الأساسية لشركتك "أو مشروعك الحالي"؟ على سبيل المثال، تركز بعض الشركات، عندما يتعلق الأمر بالأسهم الخاصة، على إيجاد قيمة سوقية جلية خلال فترة قصيرة نسبيا. بينما تعنى شركات أخرى بالأثر المجتمعي على المدى الطويل. لا نستطيع القول إن إحدى الشركتين أفضل من الأخرى، لكنهما مختلفتان.
يتعلق السؤال الثاني، بكيفية تعامل الأشخاص مع بعضهم في المؤسسة. على سبيل المثال، قد يكون أسلوب التواصل المتبع منفتحا ومباشرا، أو قد يميل إلى الدبلوماسية، وقد ينطوي ذلك على خطر الانخراط في ألعاب سياسية.
السؤال الأخير، الذي قد يكون أكثر أهمية، يتعلق بالأشخاص الذين ستتعامل معهم، فهم يلعبون الدور الأكبر في اتخاذك قرارا: هل تتطلع إلى قضاء وقتك معهم؟ وهل سيساعدونك على التطور؟
و"كيف؟ ولماذا؟" بدلا من "ماذا؟ وأين؟"، باختصار: في سبيل الحفاظ على الدافع إلى العمل والإلهام على المدى الطويل، نعلق أهمية كبيرة على "ماذا؟" و"أين؟" أكثر بكثير من "كيف؟" و"لماذا؟". فاختيار المعايير الصحيحة أكثر أهمية من القرار نفسه.

إنشرها