إفريقيا والمنصة الرقمية «3 من 3»

|


يمكن القول إن التكنولوجيا ربما تكون أفضل محفز للاستثمار. لماذا؟ بسبب التراجع المستمر في تكلفة استخدام أجهزة الحاسب الآلي والتخزين والربط الشبكي وشاشات العرض وخدمات الإنترنت، وغيرها من العناصر ذات الصلة. فقد انخفض متوسط تكلفة الهاتف المحمول الذي يتضمن بعض خصائص الهواتف الذكية ما يزيد على 200 دولار في 2008 إلى 20 دولارا في 2018. وخلال الفترة من 2012 إلى 2017، انخفضت تكلفة الـ500 ميجابايت من البيانات من 30 دولارا تقريبا إلى خمسة دولارات. ويتيح انخفاض التكلفة على هذا النحو قوة اقتصادية كبيرة من شأنها تعزيز الشمول وزيادة مشاركة النساء في القوة العاملة. ويمكن عزو النمو في قطاع التعهيد الخارجي لعمليات الشركات إلى هذا العامل ولو جزئيا على الأقل.
وعلى الرغم من أهمية توفير بيئة مواتية للتكنولوجيا في كل بلد، تكمن المنفعة الحقيقية في تمكين التشغيل البيني بين البلدان، ويتطلب ذلك تنظيما وتنسيقا. فلنتخيل - مثلا - إلى أي مدى ستقل قيمة الهاتف أو البريد الإلكتروني أو الإنترنت إذا لم يمكن تشغيلها إلا داخل البلدان وليس فيما بينها. وسيتيح إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية إطارا لوضع المعايير التكنولوجية والتنسيق والتشغيل البيني لدعم التجارة بين الحدود.
وسيكون للتكنولوجيا دور مزدوج في تعزيز منطقة التجارة الحرة. فمن خلال تسريع وتيرة التنفيذ و"أتمتة" العمليات وتخفيض التكاليف، ستشجع التكنولوجيا التجارة عبر الحدود. وسيمكن كذلك فتح مجالات جديدة، مثل التجارة والخدمات الرقمية، بما في ذلك التصدي لكابوس الدعم اللوجيستي لسلاسل العرض في أجزاء عديدة في إفريقيا. ومن شأن الهواتف المحمولة، والشبكات ذات النطاق العريض، وخدمات السحابة الإلكترونية، وإنترنت الأشياء، وتحليل البيانات الكبيرة، المساهمة في تخفيض تكلفة التخطيط والجدولة الزمنية والرصد والتوصيل وإدارة السلع بدرجة كبيرة، ما يتيح فرصة كبيرة لإيجاد وظائف جديدة.
ومن الأهمية بمكان أن توزع منافع "الرقمنة" فيما بين السكان كافة. وربما يوجد نحو 500 مليون مواطن إفريقي دون هوية قانونية، وهو ما يعني أن نصف سكان القارة تقريبا غير قادرين على المساهمة بشكل ملموس في النمو الاقتصادي أو الحصول على الخدمات اللازمة لزيادة رفاهيتهم. وتعد الهوية الرقمية، أي القدرة على التحقق من هوية شخص أو شركة ما إلكترونيا، الأساس الذي تقوم عليه منصات الاقتصاد الرقمي، كما تتيح حلا فاعلا لأزمة الهوية.
وفي اجتماع رؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي المنعقد في شباط (فبراير) 2019، دعيت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا إلى التعاون مع مفوضية الاتحاد الإفريقي ومبادرة إفريقيا الذكية وغيرهما، من أجل وضع استراتيجية للهوية والتجارة الرقميتين - وهي بادرة واضحة على إدراك قادة إفريقيا لهذه المشكلة الملحة. ويقوم الاقتصاد الرقمي على الثقة. لذلك من الضروري أن يكون لدى إفريقيا التنظيم الكافي، ولا سيما في مجالات خصوصية البيانات، وحوكمة البيانات، والأمن الرقمي.
ومن اللازم توافر بنية تحتية رقمية ومهارات رقمية واستثمارات إضافية كي تستفيد القارة الإفريقية من جميع منافع الاقتصاد الرقمي. وتشير تقديرات بنك التنمية الإفريقي إلى أن 2.6 في المائة فقط من الإنفاق على البنية التحتية في إفريقيا تم توجيهه إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في 2016. وتمثل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أداة قوية لجذب مزيد من الاستثمارات في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ويهيئ استقرار الاقتصاد الكلي، المجال للاستثمارات العامة والخاصة في تنمية البنية التحتية والمهارات الرقمية. وفي الوقت نفسه، تتيح "الرقمنة" فرصا لمواجهة القضايا الهيكلية المؤثرة في الاستقرار الاقتصادي الكلي، مثل تعبئة الإيرادات، وإدارة الدين، وإدارة المصروفات العامة. ويمكن لصندوق النقد الدولي، من خلال العمل التحليلي والحوار بشأن السياسات مع البلدان منخفضة الدخل، المساعدة على زيادة الوعي وخيارات السياسات من أجل استغلال الروابط بين السياسة الاقتصادية الكلية و"الرقمنة". وبالمثل، يجب أن تكون المؤسسات الحكومية قادرة على وضع المعايير والأطر التنظيمية اللازمة لتعظيم مكاسب النظام الرقمي والحد من المخاطر المصاحبة له.

إنشرها