التجارة الإلكترونية وضبط مشاهير «السناب»

|
كاتب ومستشار اقتصادي


تعرف السوق بأنها "مكان التقاء جانبي العرض والطلب"، أو هي "المكان الذي يلتقي فيه البائع والمشتري"، وتنص القاعدة الفقهية على أن "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، فإذا انفض مجلس العقد وتفرق الطرفان لزم البيع.
بالتأكيد، تطور مفهوم السوق مع الزمن وانتقل من المعنى الضيق للسوق بصفتها حيزا مكانيا يلتقي فيه البائع والمشتري ليشمل المعنى الواسع وهو كل ما تم التعارف على أنه سوق، شاملا بذلك كل عملية أو صفقة يتفق على عقدها طرفان عن طريق الهاتف أو الفاكس أو التلكس أو الإيميل أو أي وسيلة اتصالات أخرى.
السوق الإلكترونية التي انتشرت من خلال الإنترنت والتطبيقات Apps خلال العقد الأخير ليست بدعا وما زالت متضمنة في تعريف السوق، إلا أن اختلافها عن السوق التقليدية التي نعرفها أنها أصبحت سوق "اللامكان".
وإن كان المثقفون يتعاملون مع النص بمبدأ "موت المؤلف" "انظر كتاب الخطيئة والتكفير لعبد الله الغذامي" فإننا في السوق الإلكترونية يمكن أن نتعامل بمبدأ "موت البائع" أو اختفائه من المشهد كليا، فالمشتري يتعامل اليوم مع السلعة فقط ولم يعد يلتقي البائع ولا يعرفه ولا يعلم أين تخزن البضاعة التي اشتراها ولا من نقلها ولا من أوصلها إليه، وإنما يشتري السلعة ويتابع شحنها ونقلها وتحركاتها إلكترونيا من نقطة إلى أخرى حتى تصل إليه.
بالطبع، السوق الإلكترونية أو السوق من خلال الإنترنت لها مزايا كثيرة وأثر كبير في المستهلك، فالمستهلك أصبح يتعامل مع السوق العالمية مباشرة ولم يعد ملزما بالسوق التي في مدينته أو دولته فقط كما كان سابقا، وهذا وسع خيارات المستهلك وخفض عليه التكلفة من خلال تنوع السلع والأسواق والأسعار الموجودة أمامه على الشبكة، وقصرت عليه الشبكة العنكبوتية عناء الذهاب إلى السوق، لأن الأسواق انتقلت إلى داخل بيوتنا ولم يعد بيننا وبينها سوى فتح الكمبيوتر واختيار السلعة ثم إدخال رقم بطاقة الائتمان ليتم الشراء ونحن مستلقون على الكنبة.
هذا الأسبوع وافق مجلس الوزراء على نظام التجارة الإلكترونية في المملكة؛ الذي سيبدأ تطبيقه بعد صدور لائحته التنفيذية بعد 90 يوما، ولا شك أنه من أهم الأنظمة التي تضبط انفلات السوق الإلكترونية عندنا وإعلاناتها ومشاهيرها وغشها وغبنها، وتحمي أطراف السوق كافة من أي تجاوزات وبما يحفظ حقوق الجميع.
وبلغة الأرقام فإن سوقنا الإلكترونية قدرت قيمة تداولاتها بنحو 80 مليار ريـال في 2018، وتشهد نموا سريعا بلغ 32 في المائة، ويبلغ عدد العارضين المسجلين على منصة "معروف" نحو 32 ألف منشأة تتعامل بالبيع والشراء الإلكتروني، وأجزم أن الأرقام ستتضاعف بسرعة فائقة، فالزمن اليوم هو زمن الإلكترون وتطبيقات البيع والتوصيل تشهد تضاعفا بين ساعة وأخرى، ولا أعتقد أنه بقيت منشأة مهما كبرت أو صغرت ليس لها موقع ومنفذ للبيع الإلكتروني.
نظام التجارة الإلكترونية الصادر هذا الأسبوع يتكون من 26 مادة تمت الاستعانة في إعداده بأفضل الممارسات العالمية، وتم استطلاع آراء المختصين حوله، كما تمت مراجعته من قبل البنك الدولي ولجنة التحول الرقمي وهيئة الخبراء، إضافة إلى خبير بريطاني متخصص حسبما أعلنت وزارة التجارة.
ولعل أهم مواد النظام هي ما يتعلق بحق المستهلك في إرجاع السلعة خلال فترة زمنية محددة، كما يحق له إلغاء الطلب إذا تأخر التسليم عن 15 يوما من تاريخ الشراء، إضافة إلى ضبط الإعلانات الإلكترونية المنفلتة في سوقنا بلا ضابط ولا حسيب، وخصوصا من قبل ما يسمى مشاهير "السناب".
ختاما، السوق اليوم تتغير وتتطور ولم تعد هي الحيز المكاني الضيق الذي نعرفه، والمنافسة اليوم تنفتح على مصراعيها أمام المستهلك بما يعود عليه بالفائدة. ولا شك أن ضبط سلوكيات هذه السوق وضمان العدالة والشفافية للمتعاملين فيها كافة أمور مهمة، وأؤكد أن صدور هذا النظام يحسب لوزارة التجارة التي تسبق نظيراتها من الأجهزة الحكومية فيما يتعلق بتحديث الأنظمة والاستفادة من التقنية بمسافات بعيدة، فللوزارة ولعملها ولفريقها خالص الشكر والتقدير.

إنشرها