FINANCIAL TIMES

من الظلم «شيطنة» ممارسات العمل الصينية في إفريقيا

تواجه الشركات الصينية المستثمرة في إفريقيا سمعة سيئة. إضافة إلى دورها المزعوم في توريط البلدان الإفريقية في الديون، الاتهام العام عندما يتعلق الأمر بسجل العمالة في تلك البلدان أنها تعمل على توظيف العمال الصينيين بشكل أساسي، وحرمان السكان المحليين من الحصول على الوظائف المتاحة. وعندما توظف السكان المحليين يقول النقاد إنها تدفع لهم أجورا سيئة ولا تقدم لهم تدريبا يذكر.
من المؤكد أن هذه آراء كثير من الأوروبيين والأمريكيين، بمن فيهم المسؤولون الأمريكيون الذين رسموا صورة قاتمة لممارسات الشركات الصينية الجشعة. وهي أيضا وجهة نظر يتردد صداها في إفريقيا نفسها. فكم من عامل في نيروبي أو مسؤول تنفيذي في أكرا يرفض تقبل العمل في شركات صينية لأنه يرى أن الوظيفة متدنية.
لكن هل هذا صحيح؟ حتى الآن لم يكن هناك مجال يذكر لمعرفة الجواب. فجميع المعلومات تقريبا كانت قولية وغير مؤكدة. ولم يتم إجراء كثير من الدراسات الأكاديمية بأي حجم وبأي مستوى من الدقة. الآن، بعد أربع سنوات من العمل الميداني المكثف، تم جزئيا سد تلك الفجوة من خلال دراسة هي الأكثر شمولا حتى الآن.
تحت قيادة كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، قارن باحثون بين شركات الإنشاء والتصنيع الصينية وغير الصينية في أنجولا وإثيوبيا، وهما اثنتان من أكبر الوجهات الإفريقية في مجال الاستثمار الصيني المباشر. درس الباحثون الميدانيون 76 شركة، 31 منها صينية. ومن الأهمية بمكان، أنهم أيضا أجروا مقابلات مع عمال من إثيوبيا وأنجولا بلغ عددهم الإجمالي 1500 عامل.
دعوني أقدم أولا نتيجة الدراسة: توصلت الدراسة إلى أن القصص السلبية حول الشركات الصينية معظمها غير صحيح. على نطاق واسع، تبين الدراسة أن تلك الشركات توظف كثيرا من العمال المحليين بقدر ما توظف الشركات غير الصينية، وتدفع لهم أجورا متساوية تقريبا وتقدم لهم تدريبا بمعايير مماثلة، رغم أنها تكون عادة أقل رسمية.
يقول كارلوس أويا المسؤول عن البحث: "لا أحد يقول إن أرباب الشركات الصينية رائعة أو أن الرؤساء لا يتعاملون مع العمال بقسوة". لكن لا توجد أية أدلة تبين أن الشركات الصينية، التي تعمل في قطاعات قابلة للمقارنة، يتعاملون مع العمال لديهم بشكل مختلف عن الشركات غير الصينية.
في إثيوبيا توصلت الدراسة إلى أنه بعيدا عن تعبئة مواقع البناء والمصانع بالعمال الصينيين، فإن مستويات العمالة من الإثيوبيين العاملين لدى الشركات الصينية تزيد على 90 في المائة من قوة العمل. ويعمل الصينيون في مجالات الإدارة والتمويل أو الوظائف التي تتطلب مهارات، مثل النجارة، أو الإشراف على خطوط الإنتاج، لأن من الصعب - على الأقل في البداية - العثور على عمال إثيوبيين مدربين. بالنسبة للعمل الذي لا يتطلب مهارات وجدت الدراسة أن الشركات الصينية توظف عمالا محليين بشكل كامل.
في أنجولا، حيث النقص في المهارات أكبر بعد عقدين مدمرين من الحرب الأهلية في فترة ما بعد الاستقلال، التي انتهت في عام 2002، معدلات توطين العمالة المحلية أدنى بالنسبة لجميع الشركات، وليس فقط الشركات الصينية. مع ذلك، زادت الشركات الصينية من نسبة إشراك العمال المحليين من نحو 50 في المائة قبل عقد من الزمن إلى 74 في المائة.
بالتالي، بعيدا عن مسألة حرمان الأفارقة من العمل، توصلت الدراسة إلى أن الشركات الصينية، في إثيوبيا وأنجولا على الأقل، حازت على الصدارة في جهود استحداث الوظائف. في عام 2017، ما يقارب 60 في المائة من جميع أعمال الإنشاءات الإفريقية المقدمة إلى شركات أجنبية ذهبت إلى شركات مقاولات صينية.
في مسألة الأجور، تخلص الدراسة إلى أن المهارات والخبرة والفئة التي ينتمي إليها العامل، في كل من إثيوبيا وأنجولا، هي عوامل أكثر أهمية في تحديد الرواتب من جنسية صاحب العمل. ببساطة، تدفع الشركات الصينية أجورا مماثلة. في أنجولا، صحيح أن الأجور في قطاع الإنشاءات الصينية أقل بنسبة تصل إلى 20 في المائة، لكن الشركات الصينية توفر إقامة مجانية وطعاما مجانيا، ما يعني أن باستطاعة العمال توفير نسبة أكبر من الراتب. في إثيوبيا، ذكر العمال أنهم ينفقون ما يصل إلى نصف أجورهم على الطعام.
تقول إيرين يوان سون، مؤلفة كتاب "المصنع التالي في العالم"، وهو كتاب حول الاستثمارات الصينية في إفريقيا: "هذا العمل يدعم الفكرة القائلة إنه ليس هناك شيء استثنائي حول الشركات الصينية سوى القليل جدا. لو كان الأمر بيدي، لكنت قد تحدثت حول الشركات بحسب القطاع، وليس بحسب الجنسية".
توجد دروس مهمة هنا بالنسبة للحكومات الإفريقية. إن كانت مهتمة بمسألة إيجاد الوظائف وظروف عمل مناسبة - الأمر الذي ينبغي عليها قطعا الاهتمام به - يجب عليها تقديم ذلك من خلال المناقصات والعطاءات.
في أنجولا، نادرا ما يتم ذلك. هناك مزيد من التركيز على سرعة تنفيذ مشاريع البنية التحتية التي يفضلها الناس - خاصة بحدود فترة الانتخابات - وعلى توفير فرص من أجل الاستفادة المالية من العقد لصالح المتنفذين، كما يغلب على الظن. حتى في إثيوبيا التي لديها استراتيجية تنمية صناعية أكثر جدية كانت السلطات متحفظة بشكل مستغرب، مثلا، حول تحديد الحد الأدنى للأجور على مستوى القطاع في صناعات البناء أو الألبسة.
الإصرار على نقل المهارات هو أيضا خيار يتعلق بشكل واضح بالسياسة. تستطيع الحكومة المضيفة بكل سهولة تكليف الشركات الأجنبية، سواء كانت صينية أو خلاف ذلك، بزيادة نسبة تدريب العمال المحليين بشكل تدريجي.
ثمة شيء واحد يمكن أن يميز الشركات الصينية المملوكة للدولة هو قدرتها على الاستجابة لمطالب الحكومة المضيفة. ربما غاب عن بال الدول الإفريقية استغلال هذه الفرصة الجيدة. إذا كانت تريد مزيدا من الوظائف والحصول على ظروف عمل أفضل، فيجدر بها أن تطلبها من الشركات.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES