التوازن بين تسهيل التمويل وتنفيذ رسوم الأراضي

|

أستكمل الحديث عن التطورات الأخيرة في السوق العقارية، التي آلت في خلاصة نتيجتها إلى عودة تضخم أسعار الأراضي السكنية مرة أخرى، مسجلة نموا في متوسطها خلال النصف الأول من العام الجاري، وصل إلى أعلى من 23.3 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وأصبحت مستوياتها المتضخمة قريبة من مستوياتها المسجلة خلال عام 2016.


جاءت هذه التطورات العكسية إفرازا لعاملين رئيسين؛ تمثل العامل الأول في زيادة ضخ التمويل العقاري في يد الأفراد بصورة قياسية، وصل خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري إلى أعلى من 27 مليار ريال.

وتمثل العامل الآخر في توقف تنفيذ نظام الرسوم على الأراضي البيضاء عند مرحلته الأولى طوال ثلاثة أعوام مضت (التي تشمل الأراضي غير المطورة بمساحة عشرة آلاف متر مربع فأكثر، والواقعة ضمن النطاق، الذي تحدده وزارة الإسكان)، ودخول بقية مراحل تنفيذ النظام منطقة انتظار زمنية طال أمدها، ولم يصدر حتى تاريخه أي موعد للبدء بها من وزارة الإسكان، وهي المراحل من التنفيذ، التي تفوق أهميتها وثقلها المرحلة الأولى من نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، التي تشمل الأراضي المطورة العائدة لمالك واحد في مخطط معتمد واحد، ما دام مجموع مساحتها يزيد على عشرة آلاف متر مربع، وفقا لمرحلتها الثانية. والأراضي المطورة العائدة لمالك واحد في مخطط معتمد واحد، ما دام مجموع مساحتها يزيد على خمسة آلاف متر مربع، وفقا لمرحلتها الثالثة. وتشمل الأراضي المطورة العائدة لمالك واحد في مدينة واحدة، ما دام مجموع مساحتها يزيد على عشرة آلاف متر مربع، وفقا للمرحلة الرابعة.


العاملان السابقان أعلاه (تسهيل التمويل العقاري اللازم للأفراد، وتنفيذ الرسوم على الأراضي)، يعدان من أهم الحلول اللازمة للخروج من تحديات صعوبة تملك السكن بالنسبة للمواطنين، ويمثل العمل بهما، وفق منظومة متكاملة وشاملة (توازنا) مثاليا على مستوى سياسات وبرامج مواجهة هذا التحدي التنموي الراهن.

فالعامل الأول يسهم في تعزيز القدرة المالية وتوفير السيولة اللازمة للفرد الساعي إلى تملك المسكن الملائم، والعامل الثاني يسهم في تحفيز ملاك الأراضي لتطوير الأراضي والدخول بها حيز الانتفاع والاستخدام، الذي منعت منه طوال الفترات السابقة، ومن أهم فوائده عدا محاربة الاحتكار والاكتناز، الذي ثبتت أضراره تنمويا، أنه يسهم في تحقيق مزيد من عدالة الأسعار، ويكبح تضخمها غير المبرر، وهو أحد الأهداف الرئيسة، التي لأجلها تم إقرار النظام.


بناء عليه؛ فإن العمل بأي من العاملين أعلاه دون الآخر، سيؤدي إلى اختلالات أكبر، وإضافة مزيد من التعقيدات والتحديات الجسيمة، التي تحمل معالجتها لاحقا تكاليف مادية أكبر بكثير مما يمكن تصوره أو تقديره بأرقام اليوم.

سيؤدي الاعتماد فقط على العامل الأول "تسهيل التمويل العقاري اللازم للأفراد" دون تفعيل العامل الآخر، إلى زيادة الأسعار المتضخمة في الأصل لمختلف الأصول العقارية والأراضي في مقدمتها بكل تأكيد، الذي سيؤدي إلى ضرورة زيادة حجم التمويل العقاري اللازم، وإلى زيادة الدعم الحكومي اللازم لتلك القروض العقارية، والدخول في حلقة تصاعدية مفرغة، تزيد الأسعار فتزيد القروض العقارية على الأفراد، ويزيد الدعم اللازم تحمله على الدولة، وفي غياب أية أدوات تدفع بملاك الأراضي نحو تطويرها وإخضاعها للانتفاع والاستخدام، نتيجة توقف تطبيق رسوم الأراضي البيضاء، وأمام إغراء التصاعد المفرط لأسعار الأراضي والعقارات، سيزيد كل ذلك من تمسك أولئك الملاك بالأراضي والعقارات، التي في حوزتهم، ولا يتم تخارجهم من ملكيتها والموافقة على بيعها إلا بأعلى الأسعار، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد فحسب! بل ستجد أن السيولة التي ستتوافر بيد أولئك الملاك، وسيولة غيرهم من الباحثين عن قنوات للاستثمار، ستعود مرة أخرى إلى السوق العقارية، سعيا منها إلى تحقيق أعلى معدلات الأرباح في ظل هذه التسهيلات والممكنات المتوافرة "ضخ مرتفع للسيولة والتمويل اللازم، مقابل غياب لأي تكلفة على تملك الأراضي والمتاجرة بها".


وللقارئ الكريم تصور النتائج النهائية لمثل هذا السيناريو المزعج، على الأسعار، التي ستتضخم بصورة كبيرة جدا، وعلى المقترضين الذين سيتحملون مستويات عالية جدا من القروض العقارية، وعلى الميزانية الحكومية، التي سترتفع عليها فاتورة الدعم اللازم لتلك القروض، وعلى المخاطر العالية على مؤسسات التمويل التي سترتفع نتيجة زيادة احتمال تعثر شرائح واسعة من المقترضين، وعلى القطاع الخاص، الذي سيصطدم بارتفاع تكلفة التشغيل والإنتاج من جانب، وزيادة احتمالات تقليصه لنشاطاته والعمالة الوطنية لديه، نتيجة تقلص التدفقات الداخلة، وكيف أن كل تلك النتائج المحتملة مجتمعة ستكون لها نتائجها العكسية على الاقتصاد الوطني بأكمله.


كذلك الحال بالنسبة للعامل الآخر "تنفيذ الرسوم على الأراضي" دون تفعيل العامل الأول، الذي سيؤدي إلى انخفاض كبير في أسعار الأراضي ومختلف الأصول العقارية، إلى الدرجة التي ستحجم معها رؤوس الأموال والاستثمارات عن الاستثمار والتطوير في القطاع العقاري، وتنحدر السوق إلى ما دون الأسعار العادلة والملائمة لقوى الطلب، التي رغم كل ذلك الانخفاض في الأسعار لم تتوافر لديها السيولة اللازمة، والاستفادة من ذلك في تملك الأراضي والسكن اللازم من قبل أفراد المجتمع، وسيجد الاقتصاد والمجتمع لاحقا أنهما أمام نمط تنموي أكبر صعوبة وأكثر تعقيدا، نتيجة إحجام المستثمرين والمطورين عن السوق، وهو بكل تأكيد ما لا تقل مخاطره المحتملة عن النتائج المحتملة للخيار الأول المشار إليه سابقا.


هل يعلم الآن دعاة العمل بالخيار أو العامل الأول "تسهيل التمويل العقاري اللازم للأفراد" دون قيد أو شرط، ودون العامل الثاني "تنفيذ الرسوم على الأراضي" ما النتائج المنتظرة لخيارهم؟ ولماذا في الأصل يسعون جاهدين إلى تعطيل العمل بالعامل الثاني؟ وهو المستغرب في الحقيقة من أولئك الفريق؛ لماذا تحديدا يريد هذا الفريق التجاهل التام للدور الفاعل والمرتقب لاستكمال تنفيذ الرسوم على الأراضي؟ بل لا تجد منهم إجابة شافية في أبسط حدودها لسبب هذا التجاهل المتعمد! فلا تراه إلا يطالب الأفراد المستفيدين بالموافقة دون قيد أو شرط ودون تأخير على ما هو أمامه كخيار وحيد "احصل على القرض وتملك المسكن"، أو أنك ستجد نفسك في موقع أصعب مستقبلا، وهو بكل تأكيد ما سيحدث في ظل الأوضاع الراهنة "تمويل دون وجود رسوم أراض"، في تجاهل أكبر صدمة للآثار والنتائج المتوقعة، حسبما تم إيضاحه أعلاه.


الوضع الراهن، وفقا لما تقدم، يؤكد بما لا يدع مجالا لأي احتمالات أخرى أقل ما يقال عنه أنه مؤلم جدا تنمويا واقتصاديا واجتماعيا، ويستدعي سرعة تحقيق التوازن بالعمل على تنفيذ كلا العاملين المشار إليهما أعلاه "تسهيل التمويل العقاري اللازم للأفراد، وتنفيذ الرسوم على الأراضي"، وألا يكون بينهما أي فجوة مهما كانت مسافتها، ومهما حاول البعض تهوين خطرها. والله ولي التوفيق.

إنشرها