الشراكة بين الجامعة العربية ومجلس الأمن

|


هناك مفهوم مغلوط ينتشر ويتغلغل في أوساط المجتمعات العربية عن جامعة الدول العربية، وهو أن بقاء واستمرار الجامعة العربية مرهون بقدرتها على حل كل المشكلات في المنطقة العربية، وإذا لم تستطع الجامعة العربية أن تحل المشكلات التي تعانيها الأمة العربية فلا لزوم لبقائها واستمرارها.
هذا المفهوم السطحي المنتشر بين المجتمعات العربية غير صحيح، ولا يمكن أن يكون صحيحا، لأن الدول العربية الأعضاء في الجامعة العربية تملك قرارها وهي دول ذات سيادة.
ولذلك يجب أن ندرك أن الجامعة العربية هي مجرد سكرتارية للوزراء العرب، وأن الوزراء العرب ــ كل في اختصاصه ــ يجتمعون في بيت العرب سواء كان هذا البيت هو المقر الدائم في القاهرة أو إحدى العواصم العربية، وفي اجتماعهم يقرر الوزراء مجموعة من القرارات، ويكلفون الأمانة العامة بالتنفيذ، أي أن الجامعة هي سكرتارية الوزراء العرب وأداة تنفيذ قراراتهم التي يقررونها.
هذا المفهوم لا يختص بجامعة الدول العربية كمنظمة إقليمية دولية، ولكنه ينسحب على كل المنظمات الدولية الإقليمية، وأيضا ينسحب على منظمة الأمم المتحدة، وكذلك مجلس الأمن الدولي الذي نحن بصدد الحديث عنه وعن اتفاقيات الشراكة مع جامعة الدول العربية.
وفي الأسبوع الماضي عقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك اجتماعا وزاريا مهما حضره أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية وأنطونيو جوتيريس السكرتير العام للأمم المتحدة. وحضر الاجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وبحث المجتمعون سبل تطوير علاقات التعاون بين الجامعة العربية ومجلس الأمن في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين وتعزيز الاستقرار في المنطقة العربية. وفي كلمته الافتتاحية ندد السكرتير العام للأمم المتحدة بالممارسات التخريبية التي يقوم بها النظام الإيراني، وانتقد التدخلات العدوانية الإيرانية في الشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية.
من ناحيته طرح الأمين العام لجامعة الدول العربية أمام المجتمع الدولي مجموعة من القضايا التي تهدد الأمن والسلم الدوليين في اليمن وفي منطقة الخليج وقال: وفي اليمن يظل الشعب اليمني هو الضحية لأزمة إنسانية مؤلمة نتجت أساسا عن تشبث فصيل انقلابي بالاستيلاء على عاصمة البلاد على نحو يشكل تهديدا واضحا لجيران اليمن، بل ويشكل تهديدا صارخا للملاحة الدولية في الممرات البحرية المحيطة به. وأوضح الأمين العام أمام المجتمع الدولي الأدوار الاستفزازية التي قام بها النظام الإيراني في المياه الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك في خليج عمان حيث قامت الميليشيات الإيرانية بتفجير ناقلات النفط، ونفذت عديدا من الاعتداءات الوحشية على المدن السعودية، وأخيرا وليس آخرا الصواريخ الباليستية التي استهدفت مطار أبها.
ولقد ناقش الاجتماع المهم بين جامعة الدول العربية ومجلس الأمن إمكانات الارتقاء بمستوى التنسيق والتعاون المشترك بين الأمم المتحدة ومنظماتها، وبين الجامعة العربية على أساس إقامة شراكة تكاملية وموسعة بين المنظمتين الدوليتين على نحو يقود إلى فهم موحد لأسباب اندلاع أو استمرار هذه الأزمات. وفي هذا الصدد فقد طرح الأمين العام لجامعة الدول العربية جملة من المقترحات التي ترمي إلى تعزيز علاقات التعاون التي تنشدها الجامعة العربية مع مجلس الأمن ومنظومة الأمم المتحدة ككل، وذلك بهدف تطوير آليات تبادل المعلومات بين الجانبين، وتكثيف التنسيق والأنشطة المشتركة بين الجامعة العربية وممثلي الأمم المتحدة إلى مناطق الأزمات العربية، والعمل على توسيع رقعة العمل المشترك بين الجامعة والأمم المتحدة ليمتد ويشمل جميع مراحل الإنذار المبكر والوساطة والمساعي الحميدة والعمل الوقائي وتسوية النزاعات وبناء السلام والاستقرار في كل أنحاء المنطقة العربية.
واختتم أمين عام الجامعة العربية خطابه في مجلس الأمن قائلا: في الوقت الذي تتطلع فيه جامعة الدول العربية إلى تعظيم فاعلية آليات الشراكة مع الأمم المتحدة، وخاصة مع مجلس الأمن الموقر لتسوية جميع هذه النزاعات والأزمات ومعالجة مجمل هذه التحديات، فإنها عقدت العزم أيضا على الاضطلاع بدور أكثر فاعلية للمساهمة في حفظ السلم والأمن الدوليين في منطقتنا العربية، والدفاع عن الأمن القومي العربي لدولها الأعضاء، وردع المخاطر التي تهددها على النحو الذي يكفله الميثاق والقانون الدوليين.
ولعل القمة العربية الطارئة التي عقدت في مكة المكرمة منذ أسبوعين أبلغ دليل على ذلك، إذ اجتمع في رحاب البيت العتيق القادة العرب في دورة استثنائية وأدانوا الأعمال الإرهابية التي استهدفت المنشآت النفطية في أراضي المملكة والسفن التجارية في المياه الإقليمية لدولة الإمارات المتحدة، وجددوا تضامنهم الكامل معهما في مواجهة التدخلات والتصرفات الإيرانية والجرائم التي ترتكبها ميليشيات الحوثي المدعومة من النظام الإيراني في طهران.
وفي ختام كلمته في مجلس الأمن أكد الأمين العام للجامعة العربية ضرورة تأسيس منصة عريضة وقوية للارتقاء بمستوى التشاور بين الجامعة العربية ومجلس الأمن لدعم العمل المشترك والتكاملي المطلوب بين المنظمتين العريقتين، وذلك بهدف تعزيز جهود حفظ الأمن والسلم الدوليين في منطقة مملوءة بالاحتقانات والحروب المحلية والتوترات الإرهابية.
وفي ضوء هذا الحضور المهم لجامعة الدول العربية في مجلس الأمن، فإن الجامعة العربية تحقق خطوة إيجابية على طريق دعم قضايا الأمة العربية في أروقة أكبر منظمة دولية، وهي منظمة الأمم المتحدة، وكل المنظمات المنبثقة عنها.
ولا شك أن طرح قضايانا العربية أمام المجتمع الدولي سيمكننا من إطلاع المجتمع الدولي على قضايانا التي ظلت لعقود طويلة تناقش في أروقتنا الإقليمية دون فائدة تذكر.

إنشرها