FINANCIAL TIMES

هزيمة مدوية لأردوغان

قد لا يكون أكرم إمام أوغلو اسما حاضرا في الأذهان. لكن من خلال التغلب على وكيل رجب طيب أردوغان بصورة حاسمة على أرضه في إسطنبول - بعد أن أجبر الرئيس التركي القضاء على إصدار أمر بإعادة الانتخابات التي حققت فيها المعارضة انتصارا بفارق بسيط في آذار (مارس) - ربما يكون إمام أوغلو أطلق بداية النهاية لعملاق السياسة التركية لهذا القرن.
إمام أوغلو، مرشح حزب الشعب الجمهوري العلماني الاجتماعي الديمقراطي لمنصب عمدة أكبر مدينة في تركيا، فاز على خصمه، بن علي يلدريم ـ رئيس الوزراء السابق الذي ألغى أردوغان منصبه العام الماضي ـ بنحو تسع نقاط مئوية. لا ينبغي لأحد أن يخرج أردوغان من السيناريو: رجل فاز في 14 انتخابات واستفتاءات متوالية منذ أن فاز حزب العدالة والتنمية ذو النهج الإسلامي الجديد لأول مرة بالسلطة في أواخر عام 2002.
صعد أردوغان، بعد ثلاث ولايات بوصفه رئيسا للوزراء، إلى ما كانت رئاسة رمزية ترتكز على نظام برلماني وحولها إلى رئاسة شبه استبدادية تخضع لها جميع المؤسسات - الحزب، والسلطة التشريعية، والقضاء، والإعلام.
عندما خسر العاصمة أنقرة وإسطنبول وغيرهما من المدن الكبرى في 31 آذار (مارس)، أخبر إسطنبول بشكل أساسي أنها قدمت إجابة خاطئة. تلك النتيجة، لكي نكون واضحين، كانت متقاربة جدا. النتيجة الأخيرة هزيمة مدوية للرئيس أردوغان ولاستجابة أتباعه المتعجرفة.
أردوغان ربما لم يفاجأ. ما يثير الدهشة، بالنظر إلى نجاحه الانتخابي الفريد وأن هذه كانت مجرد منافسات محلية، أنه قال في الجولة الأخيرة إن المعركة من أجل إسطنبول مسألة "بقاء وطني". في الفترة التي سبقت انتخابات آذار (مارس) شن حملات تصل إلى ثماني حملات في اليوم. فقد بدأت حياته المهنية عندما تم انتخابه عمدة لإسطنبول قبل 25 عاما. وهو يعتقد أن البلاد لا يمكن أن تحكم بدون السيطرة على العاصمة العثمانية السابقة. قال لحزبه بعد استفتاء عام 2017 الذي حول الديمقراطية التركية البرلمانية إلى نظام رئاسي: "إذا تعثرنا في إسطنبول، فإننا نفقد مكانتنا في تركيا". حزب العدالة والتنمية خسر للتو في إسطنبول دعما كبيرا في مرحلة يتم فيها تقديم عديد من الخدمات العامة، وهي مرحلة تعد فيها القدرة على توفير تلك الخدمات أكثر أهمية من هوية الحزب الإسلامية.
إمام أوغلو، الذي لم يكن معروفا حتى هذا العام وحتى أتم 18 يوما في منصبه قبل أن تأمره السلطات الانتخابية بخوض المنافسة مرة أخرى، ألغي مزيدا من الهوية الأردوغانية من خلال إدارة حملة مفتوحة وشاملة. هذا يشكل لعنة على رئيس يمارس الاستقطاب لدرجة أنه اتهم خصومه بدعم الإرهاب. لقد أظهر إمام أوغلو أن رجب طيب أردوغان يمكن هزيمته، وهذا حدث زلزالي.
قدري جورسيل، صحافي ليبرالي بارز وواحد من مئات الصحافيين الذين وجدوا أنفسهم وسط حملات التطهير بعد محاولة انقلاب ضد أردوغان في منتصف عام 2016، كتب في تغريدة أن نتيجة إسطنبول كانت "تحولا تكتونيا سياسيا".
يحدث هذا الزلزال الانتخابي في إسطنبول عشية محاكمة صورية مثيرة للسخرية نظمت ضد المخططين المزعومين للثورة المدنية في منتصف عام 2013 - التي تميزت بتجمع قصير لسكان إسطنبول في ميدان تقسيم ثم امتدت عبر تركيا الحضرية والساحلية. لم يعارضوا خطط إعادة تطوير حديقة محلية فحسب، بل أيضا تدخل حكومة أردوغان في الحريات الشخصية والاجتماعية.
يقول أردوغان، والمدعون العامون الخاضعون له، إن الأكاديميين والمحامين والجهات الخيرية المرتبطين بجورج سوروس استخدموا احتجاج ميدان تقسيم بروفة لانقلاب عام 2016. وتلقي الحكومة باللوم على حركة إسلامية غامضة.
لذلك، لدى أردوغان كثير من الأسباب ليكون حذرا من إسطنبول، مع أنها مسقط رأسه.
بنى إمام أوغلو بنجاح ائتلافا واسعا ضد حزب العدالة والتنمية، الذي لم يستطع حزب الشعب الجمهوري - المرتبط ارتباطا وثيقا بالنخبة الحاكمة السابقة التي بناها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية - مجاراته في العصر الحديث. قد يكون هذا جزئيا لأنه، بعد توليه المنصب لفترة قصيرة في إسطنبول، كان ينظر إليه على أنه شخص من الداخل والخارج في آن معا: وهو جوهر سحر أردوغان.
هذا قد يفتح الباب أمام مزيد من المشكلات لرجل تركيا القوي، الذي داس في طريقه إلى السلطة بلا رحمة على كل شخص ساعده تقريبا. ومن بين هؤلاء أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء السابق، والرئيس السابق عبد الله جول، وعلي باباجان نائب الرئيس السابق وقيصر الاقتصاد. يبدو أنهم في النهاية جمعوا شجاعتهم لتأسيس منافس لحزب العدالة والتنمية. ترقبوا ما سيحدث في المستقبل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES