الحكومة المتكاملة .. استثمار في الجودة

|

"التخصص غير كاف والتكامل مطلوب" كان عنوان مقال يوم الخميس 16 أيار (مايو) 2019. وقد أوضح المقال أن "التقسيم إلى تخصصات" في طرح الخدمات، على مختلف المستويات: الدول والمدن والمؤسسات، أمر إيجابي في أداء الأعمال، لكنه غير كاف. فلا بد من إضافة إلى ذلك، من بناء "جسور تربط بين الأقسام المتخصصة" لتعزز التعاون والشراكة فيما بينها، بما يستجيب لمتطلبات الحياة ويقود إلى جودة في الأداء تتميز بفاعلية العمل وكفاءة المردود ورشاقة التنفيذ. وتحدث المقال عن حاجة الدول والمؤسسات الكبرى كالجامعات والمستشفيات إلى مثل ذلك؛ وتطرق إلى "أسلوب الحكومة الشاملة أو المتكاملة WGA" الذي لا يكتفي بتقديم الخدمات تبعا للتخصص، وإنما يعطيها بطريقة مترابطة ومتكاملة تحقق الجودة المنشودة.
يوم نشر المقال قابلت الزميل العزيز "الدكتور فهد العبودي" لأكتشف أنه سبقني إلى موضوع "الحكومة الشاملة أو المتكاملة"، ليس في مقال، وإنما في كتاب شامل، تكرم فأهداني نسخة منه. وضع صاحب الكتاب يده على أهمية الموضوع مبكرا وقام بطرحه مفصلا بجوانبه المتعددة. ولا شك أن الموضوع يتسم بأهمية كبيرة للمجتمع بأسره. فلا شك أن تقديم الخدمات الحكومية بفاعلية وكفاءة ورشاقة، عبر تنفيذ "أسلوب الحكومة المتكاملة"، يعطي فوائد لمقدمي هذه الخدمات من ناحية، وفوائد لمتلقيها من ناحية أخرى. وعلى ذلك فإن في تنفيذ هذا الأسلوب إسهاما في العمل على تحقيق تطلعات محور "الوطن الطموح"، ضمن "رؤية المملكة 2030"، الذي يسعى إلى "حكومة فاعلة، ومواطنة مسؤولة".
سنركز في هذا المقال على بعض الأفكار والتوجهات الرئيسة، التي طرحها الكتاب بشأن الموضوع. ويشمل ذلك التوقف عند أربع محطات رئيسة، يقدم فيها الكتاب آراء مفيدة يجب الاهتمام بها، والاستفادة منها. تهتم أولى هذه المحطات بمتطلبات "التكامل الحكومي"؛ وترتبط الثانية بموضوع "التجارة الإلكترونية"؛ وتركز الثالثة على "التجارب الدولية"؛ ثم تطرح المحطة الرابعة موضوع "إدارة التغيير".
في محطة «التكامل الحكومي»، يطرح الكتاب ثلاثة محاور رئيسة. أول هذه المحاور هو محور "البنية التقنية" بمعنى وجود أنظمة تقنية متكاملة تتمتع بمعايير موحدة في جميع الجهات الحكومية. أما المحور الثاني فهو محور "بنية الخدمات" التي يجب أن تتكامل من خلال منصة إلكترونية واحدة، بحيث يكون لكل مستفيد من الخدمات الحكومية رقم تعريفي واحد يرتبط إلكترونيا بسجلاته وتعاملاته. ونأتي إلى المحور الثالث وهو محور "البنية المعلوماتية" الذي يتطلع إلى تكامل قواعد المعلومات الحكومية، بحيث يمكن النفاذ مباشرة إلى جميع المعلومات التي يحتاج إليها كل من الخدمات المطروحة. ويؤكد الكتاب، في العمل على تحقيق التكامل الثلاثي المنشود، على الحاجة إلى تفعيل مفهوم "التعاون بين الجهات الحكومية" وبناء الجسور اللازمة فيما بينها.
ونأتي إلى محطة "التجارة الإلكترونية" وعلاقتها "بالخدمات" التي تقدمها الحكومة المتكاملة، حيث يرى الكتاب أن هذه العلاقة هي علاقة تكامل. فالتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الإلكترونية تستندان إلى "بنى متشابهة" تقنيا وخدميا ومعلوماتيا من جهة؛ كما أن لهما "إجراءات مشتركة"، كثيرا ما تتعلق "بتشريعات مطلوبة"، من جهة أخرى. تستند بنى كل من التجارة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية إلى "الإنترنت" وبنيتها الشاملة للاتصالات والخدمات المعلوماتية المختلفة. وتتضمن إجراءات الخدمات في كل منهما الالتزام بتشريعات حكومية محددة، مثل تشريعات "التوقيع الرقمي" التي تسعى إلى التأكد من أصحاب العلاقة في التعاملات المختلفة، إضافة إلى توثيق هذه التعاملات. وبناء على ذلك، فإن تكامل "التجارة الإلكترونية" مع "الحكومة المتكاملة" أمر مفيد للطرفين، ومفيد أيضا لمتلقي الخدمات.
ونصل إلى محطة "التجارب الدولية"، حيث يتطرق الكتاب إلى كل من: "التجربة الأوروبية"؛ و"التجربة الأمريكية". وسنركز هنا على التجربة الأوروبية. في إطار هذه التجربة، يبين الكتاب أن لها خمسة توجهات رئيسة. يقضي التوجه الأول بإقامة "بنية أساسية" فاعلة تتمتع بنطاق عريض، وتستخدم التقنيات الحديثة مثل الحوسبة السحابية، مع تأمين نفاذ الجميع إليها، على مستوى أوروبا بأسرها. ويهتم التوجه الثاني بتطوير "التشريعات والقوانين" التي تسهل الاستفادة من ذلك. ثم يؤكد التوجه الثالث على تفعيل التواصل المعلوماتي بين الجميع، وتعزيز "الاقتصاد المعرفي". ويتحدث التوجه الرابع عن "أمن" التعاملات واتخاذ الاحتياطات اللازمة لذلك مثل نظام "المفاتيح العمومية" PKI. ويركز التوجه الخامس على معالجة أمور "التغيير" وإدارته على أفضل وجه ممكن.
في محطة "إدارة التغيير"، يطرح الكتاب هذه القضية على أساس أن التغيير الذي سيأتي عبر الحكومة المتكاملة سيكون ثلاثي الأبعاد: بعد الإدارات الحكومية المعنية بالخدمات وتكاملها؛ وبعد المواطنين والمستفيدين من هذه الخدمات؛ ثم بعد مؤسسات القطاع الخاص وعلاقاتها مع كل من البعدين السابقين. سيشمل التغيير التوجه نحو فاعلية أكبر في تنفيذ المتطلبات، وكفاءة أفضل في مردودها، ورشاقة أعلى في زمن الإنجاز؛ ويقود ذلك بالتالي إلى جودة متقدمة يتمتع بها الجميع. وبالطبع يحتاج التغيير إلى وعي أصحاب العلاقة، وإلى تدريب المهنيين القائمين على التغيير، وإلى تحديث في الإجراءات، قد يتطلب تغييرا في بعض التشريعات. وتجدر الإشارة إلى أن للتغيير "في العمل" عادة مرحلتين: تتضمن الأولى "إعادة هندسة العمل"، وتشمل الأخرى "التطوير المستمر" بعد ذلك. وتتم هاتان المرحلتان دوريا تبعا لعوامل التغيير التقنية والإدارية. وقد شهد التحول إلى "الحكومة الإلكترونية" في الماضي شيئا من ذلك. ونحن الآن أمام تحول أكبر نحو "الحكومة الشاملة المتكاملة" وما تستند إليه من "تحول رقمي" واسع يشمل "مختلف قطاعات الحياة والتداخلات المختلفة فيما بينها". وقد تكون لهذا التحول مصاعب، كما في أي تحول كبير، ولكن ستكون له أيضا نتائج إيجابية في الارتقاء بالجودة ومواكبة تغيرات العصر.
لا شك أن التجدد المتواصل في "إنجازات التقنية"، يحفز "التفكير والعمل" على "الاستثمار فيها" من أجل جودة أعلى في الحياة، تؤدي إلى رفع مستوى عطاء الإنسان في العمل المهني الإنتاجي والخدمي كما وكيفا، وتقود إلى رفاهية اجتماعية أكبر للجميع. وإذا كان من كلمة أخيرة في الموضوع فهي أن قراءة مقال حول كتاب، لا تغني عن قراءة الكتاب نفسه.

إنشرها