FINANCIAL TIMES

الهند تتصبب عرقا .. درجات الحرارة بلغت مستويات حارقة

واقفا خلف منضدة البيع في بقالته في نويدا على مشارف نيودلهي، عبر ديباك كومار عن شكواه بسبب درجات الحرارة الحارقة التي عمت أغلب مناطق الهند هذا الشهر.
مرتديا سترة متواضعة ومنشفة قطن خفيفة حول خصره، يشير إلى المروحة المتهالكة التي تدور ببطء فوق رأسه باعتبارها المنقذ الوحيد من الحرارة الخانقة. قال كومار، البالغ من العمر 30 عاما "أرش الماء على الأرض الساخنة من أجل النوم. ولو كنت محظوظا بتوافر الماء، يمكنني الاستلقاء على فراش مبلل"، مضيفا أن المشكلة تزداد سوءا كل عام.
يقع شمالي الهند في قلب موجة حر مميتة وطويلة بدأت منذ أكثر من أسبوعين، وهي حالة من المتوقع أن تزداد شدتها نظرا لتغير المناخ. ستة من الأعوام الأشد حرارة المسجلة في الهند شهدها هذا القرن.
بحسب تارون جوبالاكريشنان، نائب مدير برنامج المناخ في مركز العلوم والبيئة، وهو مركز أبحاث هندي "يعد هذا أمرا غير طبيعي على مدار التاريخ، لكن شهدنا في العقد الماضي أعلى درجة حرارة عاما بعد عام". وأضاف "لقد أصبح هذا الوضع المعتاد الجديد".
يعتقد خبراء الاقتصاد أن موجات الحر المتكررة والطويلة، التي تتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة فيما يتعلق بالوفيات وفقدان إنتاجية العمل، ستكون إحدى أكثر نتائج ظاهرة الاحتباس الحراري المرئية على المدى القريب. ستكون المدن الكبرى المكتظة سكانيا، ذات المناخات الحارة بالفعل، مثل عاصمة الهند مترامية الأطراف، ضمن أكثر المناطق تضررا.
في العاشر من حزيران (يونيو) وصلت درجة الحرارة في نيودلهي إلى مستوى قياسي بلغ 48 درجة مئوية، ملهبة المدينة التي يقطنها أكثر من 21 مليون نسمة. في تشورو، في مقاطعة راجستان القاحلة على حافة صحراء ثار، تجاوزت درجة الحرارة 50 درجة مئوية مرتين هذا الشهر، مقتربة من رقم قياسي بلغ 51 درجة مئوية سجلته خلال موجة حر قبل عامين.
قال كولديب سريفاستافا، عالم المناخ في إدارة الأرصاد الجوية الهندية "كان هناك ارتفاع بمعدل درجة مئوية واحدة أو درجتين تقريبا عبر شمال غربي البلاد على مدار الـ50 عاما الماضية".
ويشكل ارتفاع درجات الحرارة تحديا خطيرا لسكان الهند المتزايدين بسرعة، نحو 1.3 مليار نسمة. ففي الآونة الأخيرة جادلت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد بأن الاحتباس الحراري أدى بالفعل إلى تباطؤ الاقتصاد الهندي 31 في المائة مما كان ينبغي أن يكون عليه الوضع خلافا لذلك، وأن هذا الاتجاه سيستمر. وكتب نوح ديفنباو، المؤلف الرئيسي للدراسة "كلما ارتفعت درجات الحرارة في المدن، أخر ذلك من تطويرها".
وتواجه أجزاء كثيرة من الهند أزمات مياه حادة تهدد مياه الشرب المتاحة وقطاع الزراعة الحيوي. في ماديا براديش، إحدى أكثر الولايات تضررا، تم نشر الشرطة لحراسة صهاريج المياه وسط مخاوف من اشتباكات مع المواطنين الذين يعانون العطش. وفي جميع أنحاء الهند، كان معدل هطول الأمطار قبل الرياح الموسمية، التي تعد ضرورية للمحاصيل، ثاني أقل معدل له منذ 65 عاما.
أولئك الذين تمكنوا من الهرب من المدن إلى التلال الأكثر برودة، تسببوا في اختناقات مرورية هائلة. وشهدت المستشفيات في جميع أنحاء شمال الهند أيضا تزايدا في عدد الأشخاص الذين يتم إدخالهم بسبب الأعراض الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة.
أتول جوجيا، طبيب في مستشفى سير جانجا رام في نيودلهي، قال لـ"فاينانشيال تايمز"، "كان هناك ارتفاع كبير في عدد المرضى الذين يعانون الإجهاد الحراري والأمراض المنقولة بالمياه بسبب شربهم مياها غير آمنة".
ردا على هذا التهديد، طلبت وزارة الصحة الفيدرالية من المواطنين عدم المخاطرة بالخروج بين منتصف النهار والساعة الثالثة مساء، وتجنب شرب الشاي والقهوة. وتبنت بعض المناطق الحضرية خطة أعدتها مدينة أحمد أباد في أعقاب موجة حر مدمرة في عام 2010 أودت بحياة أكثر من ألف شخص، تشمل طلاء الأسطح باللون الأبيض العاكس، وتوزيع مياه مجانية، وإغلاق المدارس والمكاتب الحكومية خلال فترات الحرارة الشديدة.
أدت الحرارة الحارقة أيضا إلى زيادة مبيعات وحدات التكييف بين الهنود الأكثر ثراء الذين يمكنهم شراء واحدة منها. قال راجيش لوثرا، التاجر في سوق خانا المزدحم في نيودلهي "منذ 20 عاما كنت أبيع وحدة أو وحدتين يوميا. الآن أبيع ما بين 25 و30 وحدة يوميا".
لكن الاعتماد بشكل أكبر على تكييف الهواء له جانب سلبي تم تسليط الضوء عليه في تقرير صدر أخيرا عن مجموعة الطاقة BP، من خلال زيادة الطلب على الكهرباء، الذي بدوره يسهم في انبعاثات الكربون التي تؤدي إلى تغير المناخ.
وتشدد حكومة رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، على أنها تبذل ما في وسعها وأن استجابتها السريعة ساعدت على الحد من عدد الوفيات. وعلى الرغم من الشكوك حول الأرقام، تذكر البيانات الرسمية أن الإصابات الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة انخفضت من 2081 في عام 2015 إلى 20 فقط في العام الماضي. ويبلغ عدد ضحايا هذا العام حتى الآن 32، لكن العدد آخذ في الارتفاع.
يقول النقاد إن خطط العمل لا تزال تركز على المدن الكبرى. كتب الباحث البيئي، هيم هيمانشو دولاكيا، في مقال بحثي الشهر الماضي "هناك حاجة إلى التركيز على المدن الأصغر والمناطق الريفية"، خصوصا التأثير في الإنتاجية الزراعية.
وأضاف "تؤثر الحرارة الشديدة بشكل سلبي في الماشية، ما يؤدي إلى انخفاض إنتاج الحليب في المناطق المتضررة. ويتسبب ذلك في حصول تبعات وخيمة على الملايين (...) خاصة المزارعين أصحاب المزارع الصغيرة".
ويؤكد الخبراء ضرورة اتباع نهج طويل الأمد للتعامل مع حالات الطوارئ المتعلقة بالمناخ، يشمل إعداد بنية تحتية بإمكانها التكيف بشكل أفضل مع الحرارة الشديدة، والاستثمار في مصادر الطاقة المستدامة لتقليص انبعاثات الكربون وتخفيف آثار الاحتباس الحراري.
قال جوبالاكريشنان "نحن أكبر مستخدمين للطاقة التي تتولد من حرق الفحم بعد الصين". وأضاف "يجب أن نعمل من أجل التخلص التدريجي من استخدام الفحم كليا بحلول عام 2050".
وتشدد حكومة مودي على التزامها بالحد من استخدام الوقود الأحفوري ودفع الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية. لكنها تواجه تحديا من أجل تنمية الاقتصاد وتحقيق تطلعات الناس مع الحد من الأثر الكربوني لسكان يتزايد عددهم بسرعة.
بالعودة إلى دكان البقالة في نويدا، يواجه كومار ليلة أخرى بلا هواء، ومن الواضح من يتحمل المسؤولية. يقول "ينشغل الأغنياء بشراء مزيد من أجهزة التكييف لتبريد منازلهم، ويقودون سيارات مكيفة تسبب كثيرا من التلوث. ولهذا السبب يصبح الجو شديد الحرارة".
"ومن الذي يعاني؟ نحن الفقراء".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES