FINANCIAL TIMES

رحيل خصم الرهان على كفاية اقتصادات جانب العرض

من بين أكثر الاقتصاديين الأمريكيين الذين حظوا بالاحترام على نطاق العالم، وكان من المؤثرين، بحق، في جيله. ولد فلدشتاين في 1939 ورحل عن عالمنا في 2009.
كان محافظا، يؤمن إيمانا راسخا بالضرائب المنخفضة، والحكومة الصغيرة.
وكان أيضا رجلا ذا مبادئ متمسكا بأعلى معايير الصرامة والاستناد إلى الأدلة.
فلدشتاين "الذي يعرف دائما باسم مارتي"، الذي توفي عن عمر ناهز 69 عاما، حظي باحترام العلماء وصانعي السياسات من مختلف الانتماءات السياسية، لإنجازاته الفكرية وإبداعه المؤسسي.
لقد بنى جسورا بين الناس والمناصب. كان معلما بارعا: درس نصف طلاب المرحلة الجامعية الأولى في جامعة هارفارد مقرره التمهيدي في الاقتصاد، كما أن عددا من الاقتصاديين المؤثرين، هم من طلابه السابقين.
على المستوى الشخصي، كان طيبا ومهذبا وإيجابيا. وفي عمله الاقتصادي، لم يكن تقنيا مملا، كان مقتنعا بقوة الاقتصاد في فهم العالم.
تلقى تعليمه أولا في كلية هارفارد ثم في جامعة أكسفورد، إذ حصل على الدكتوراه في عام 1967.
عندها عين فلدشتاين في كلية نوفيلد. افتقده كثير من أصدقائه وأنا واحد منهم.
قابلت مارتي للمرة الأولى عندما كنت طالبا في نوفيلد، بين عامي 1969 و1971.
سعدت لالتقائي به لاحقا في عديد من السياقات المختلفة. من بينها مؤتمر رائع حول: "الأزمات الاقتصادية والمالية في اقتصادات الأسواق الناشئة" الذي نظم في وودستوك، ولاية فيرمونت، في تشرين الأول (أكتوبر) 2000، بعد فترة ليست طويلة من حدوث الأزمة المالية الآسيوية. ثم التقيت به، عقب ذلك بانتظام في منتدى التنمية الصيني السنوي.
هو أمريكي وطني، لكنه يحمل دائما وجهة نظر عالمية. وكان أيضا ممتعا بلا كلل ويلهم التفكير.
كانت مسيرة فلدشتاين مهمة في السياسة العامة، وكانت أكثر محطاته أهمية هي خدمته في منصب رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي رونالد ريجان، في الفترة من عام 1982 إلى عام 1984.
على أن الرجل كان معارضا علنيا لفرضية "اقتصادات جانب العرض" السطحية، في تلك الحقبة حتى يوم رحيله أيضا، ومفادها أن التخفيضات الضريبية قادرة على تعويض نفسها، بنفسها.
وجادل بدلا من ذلك، مطالبا بزيادة الضرائب. على الرغم من أن وجهة النظر القائلة إن آراءه في شأن العجز وأمور الديون تضعه خارج التيار الرئيس للحزب الجمهوري، إلا أنه لم يغير هذه الآراء أبدا، كي تتوافق مع خط الحزب.
إن تحليل فلدشتاين للاقتصاد الكلي كان هو الاتجاه السائد، حتى أنه كان يتبع النظرية الكنزية، ويستند في ذلك على أسس تجريبية.
في عام 2005، كان ينظر إليه باعتباره المرشح الرئيس لخلافة آلان جرينسبان ليصبح رئيسا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي – وهو المنصب الذي آل في النهاية إلى بن برنانكي.
عمل فلدشتاين أيضا في مختلف الأقسام السياسية، إذ كان عضوا في المجلس الاستشاري لأجل الانتعاش الاقتصادي، الذي أنشأه باراك أوباما خلال فترة رئاسته.
أما مواقفه السياسية، وخاصة التزامه بالخصخصة الجزئية للضمان الاجتماعي، والتي أثرت على سلف أوباما، جورج دبليو بوش، فقد وضعته بقوة في الجانب المحافظ.
ومع ذلك، فقد انضم في عام 2017 إلى عدد من المحافظين الأمريكيين البارزين الآخرين، الذين طالبوا بإحالة تبعات ضرائب الكربون إلى الشعب الأمريكي مباشرة.
لقد كان جريئا في النقاش العام، ففي عام 1997 نشر فلدشتاين ما أصبح سريعا تعليقا سيئ السمعة، على فكرة تأثير العملة الأوروبية الموحدة في الشؤون الخارجية.
في ذلك، جادل بأن إنشاء عملة موحدة يمكن أن يؤدي إلى احتكاكات شديدة داخل أوروبا، أوحتى الحرب: "النزاع على السياسات الاقتصادية والتدخل في السيادة الوطنية، يمكن أن يعزز العداءات القائمة منذ فترة طويلة، على أسس من التاريخ أو الجنسية أو الدين".
وكانت له مساهمة مختلفة أقل إثارة للجدل، ولكنها كانت ذات تأثير كبير: دراسة حول المدخرات والاستثمار نشرها بالاشتراك مع تشارلز هوريكا في عام 1980، أظهرت وجود علاقة ارتباط عالية بين المدخرات المحلية والاستثمار.
هذا يدل على أن المدخرين لديهم تحيز قوي في المنازل. كما أشار فلدشتاين في كتابات أحدث، إلى أن الحد الذي لا يكون فيه صحيحا، يجب أن يظهر عجوزات الحساب الجاري والفوائض – وهي نقطة لم تجد التفهم الكامل، مع الأسف، من قبل الإدارة الحالية.
نشأت مسيرة فلدشتاين الأكاديمية في جامعة هارفارد، إذ كان يعمل في الكلية منذ عام 1967، حتى أصبح أشهر بروفيسور في مدرسة جورج بيكر.
لقد نشر أكثر من 300 مقالة بحثية، إضافة إلى عديد من الإسهامات في الصحف، ومن ضمنها "فاينانشيال تايمز".
بيد أن عمله الأكاديمي غطى الاقتصاد الصحي "موضوعه في رسالة الدكتوراه" والاقتصاد الدولي واقتصادات الأمن القومي.
ويبقى أن تركيز عمله كان على المالية العامة والتأمينات الاجتماعية والاقتصاد الكلي.
كما كان أيضا رائدا في استخدام مجموعات البيانات الكبيرة لدراسة السلوك.
في عام 1977، فاز فلدشتاين بميدالية جون بيتس كلارك للرابطة الاقتصادية الأمريكية – وهي جائزة منحت له عندما كان دون سن الأربعين، وحُكم بأنه قدم أكبر مساهمة في العلوم. كما كان رئيسا للرابطة الأمريكية للتقييم في عام 2004.
ومع ذلك، يمكن القول إن أعظم إنجازاته المهنية كانت رئاسته للمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية من عام 1977 إلى عام 2008 "باستثناء فترة من عام 1982 إلى عام1984».
في تلك الآونة، حول هذه المنظمة إلى أكثر مروج وناشر أهمية الأبحاث التجريبية في الاقتصاد على نطاق العالم. ونتيجة لذلك، يرتبط الآن معظم الاقتصاديين التطبيقيين الرائدين في أمريكا الشمالية، بالمكتب الوطني للبحوث الاقتصادية.
ولد فلدشتاين في نيويورك لعائلة يهودية، والتقى بزوجته كاثلين "كيت" فولي، وهي خبيرة اقتصادية، في جامعة أكسفورد. وتزوجا في عام 1965، ولهما ابنتان وأربعة أحفاد.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES