FINANCIAL TIMES

أمريكا والصين .. حرب اقتصادية باردة

تبدو الإدارة الأمريكية عازمة على الدخول في مواجهة مفتوحة مع الصين، لضمان السيطرة على القرن الــــ21. هناك موافقة– بل وحماسة – ضمن دوائر أخرى في المؤسسة الأمريكية الحاكمة.
وإضافة إلى الغاية تلك، نعرف أن الوسائل المطلوبة لخوض الحرب الاقتصادية الباردة، يمكن تخليصها فيما يلي: فرض الرسوم الجمركية والعقوبات بدلا من اللجوء إلى استخدام الذخائر، على الرغم من أنه ليس بالأمر الصعب أن نتصور تسلح كلا البلدين، ومناوشات الحرب بالوكالة ما بينهما، في دول تمثل أطرافا ثالثة.
في ضوء ما سبق، تم اتخاذ القرار. إذا كان التاريخ هو ما يختار القادة صنعه، يمكننا أن نتوقع الخطوط العريضة لفترة الـ50 عاما المقبلة، التي ستكون مشحونة بقدر ماتم وصفها.
هناك ما يبرر جو الشعور باليقين الذي بدأ يميز الحديث عن نشوب حرب باردة جديدة. سوف تحدث تلك الحرب، بحسب قول كبار المسؤولين في الدولة "ولعل المسألة تتوقف على التوقيت فحسب".
قد يحدث ذلك، على الرغم من أنها مجرد عبارة صغيرة تتعلق بـ330 مليون أمريكي خاضعين لتلك السلطة. في حال كان الصراع دائما مع الصين، فسيتعين على الشعب الأمريكي، الذي يمكنه التصويت لمصلحة أي شيء آخر متى ما أراد، الموافقة على ذلك.
ويقتضي ذلك ضمنا تسامحا عاما مفتوحا إزاء الاضطراب الاقتصادي، والإنفاق العسكري، والعبء النفسي الهائل الناتج عن النزاع، مع عيش لحظاته وأحداثه الطويلة المرهقة ذات المخاطر العالية.
على أنه لربما تكمن الرغبة هناك. حتى لو لم يحن الأمر بعد، إلا أنني أظن أنه يمكن حشد التأييد لها.
للحصول على الدعم الشعبي كأمر مسلم به - أو حتى عدم أخذه في الحسبان، كما لو أن كل ما نحتاج إليه في هذا النزاع هو نزعة الحكومتين القتالية– علينا أن نرى السياسة من زاوية القيادات العليا، فحسب.
إن أوجه التشابه بين بداية الحرب الباردة السابقة "المنتهية بسقوط جدار برلين و انهيار الاتحاد السوفياتي" وعالم اليوم باتت واضحة بما فيه الكفاية.
هناك ثنائية قطبية وصراع نماذج حاكمة. وليس هناك كثير عن أوجه الاختلاف، ما بين تلك الآونة وهذه السائدة الآن.
عندما دخلت الولايات المتحدة في نزاعها الطويل مع الاتحاد السوفياتي، كانت أمة مناسبة لخوض الحرب، بطريقة تبدو شبه غريبة الآن.
كان الاحترام للحكومة يكاد أن يكون بالإجماع. في أواخر عام 1964، قال 77 في المائة من الأمريكيين إنهم يثقون في الإدارة الأمريكية في واشنطن، معظم الوقت أو كله.
حينها، كان لا يزال الجيش الأمريكي غارقا في وهج انتصاره في الحرب العالمية الثانية. حدث التجنيد الإلزامي في زمن السلم، وفي الحرب الكورية، دون التخفيف من حدة التوتر.
كان المواطنون يتحملون معدلات ضرائب عالية، مع العلم بأن الإيصالات لم تكن تمول طرقهم البرية بين الولايات فحسب، بل تسهم كذلك في الدفاع عن ألمانيا الغربية واليابان.
كان هناك قليل من التعصبات الحزبية لدرجة أن الرئاسات المتعاقبة لهاري ترومان "ديمقراطي" ودوايت أيزنهاور "جمهوري" بدت بشكل أو بآخر، وكأنها عينة يحتذى بها.
لا شك، كانت هناك شائعات وتذمر في ظل مثالية الخمسينيات الملتزمة. لقد كانت إساءة معاملة الأمريكيين السود مسألة مثيرة للقلق بشكل متزايد، في ذلك الوقت.
كما أن الثقافة المضادة للمؤسسة كانت لا تزال في بدايتها. كل من تلكما القوتين ستتخطى ذلك في العقد المقبل، كما رأينا.
بخلاف ذلك، كانت الموارد الثقافية موجودة لنزاع غير محدود ضد قوة أجنبية. لم تجهد الطبقة الحاكمة نفسها لإقناع الناس بضرورة القتال والصعوبات المصاحبة له.
لقد كانت تحتاج إلى تفصيل هذه الحقائق فقط، لفهم أوجه الاختلاف مع الوقت الحاضر. في آذار (مارس) من هذا العام، قال 17 في المائة من الأمريكيين إنهم يثقون في واشنطن معظم الوقت أو كله.
يتم تبجيل القوات المسلحة نفسها، لكن فعالية الإسقاطات القوية المتعلقة بالسلطة أصبحت الآن موضع شك، حتى من قبل المحافظين.
أما بالنسبة إلى الوحدة الحزبية، فإنه عمل فذ. تخيل كيف يمكن أن يكون هناك أقل من ذلك؟ نعم، إن قياس التسامح العام إزاء الألم الاقتصادي أمر أكثر صعوبة، لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الأمة تنقسم حول الرسوم الجمركية، مع توجه الآراء ضدها.
في بداية الحرب الباردة عقب الحرب العالمية الثانية، كانت هناك ذاكرة حية للكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، والمعاناة من الحرمان في زمن الحرب. أما الآن فلا يوجد شيء من ذاك القبيل.
لقد كانت مشكلة "السياسة الواقعية" Realpolitik دائما هي نظرتها للدول وكأنها "كرات بلياردو".
في ظل تلك السياسة، يجري معاملة الدول ككيانات غير متمايزة تصطدم بعضها بعضا.
كما أن السياسة الواقعية تعد الخصائص الداخلية للدول، أقل أهمية من هدفها الخالد ألا وهو البقاء، وتحقيقا لهذه الغاية، امتلاك السلطة.
السياسة الواقعية إذا صالحة للوجاهة النظرية – نظرة الباحث إلى النجاح - ولكنها ليست وصفا للواقع.
من المهم أن الولايات المتحدة أكثر تشوشا وتشككا الآن، من تلك التي تطوعت من أجل خوض صراع غير محدود مع الشيوعية، على مدار عمر الإنسان، من قبل "منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى انهيار جدار برلين".
ليس افتقار أمريكا اليوم إلى "معدة" أو "قلب"، أو أي جزء آخر من الجسم لخوض المعركة، هو المهم الآن، بل ألا ترى أن هناك حاجة إلى القتال، في المقام الأول.
يقع العبء على الطبقة الحاكمة لإقناع الشعب بوجوب مواجهة دولة لا تشكل تهديدا تقليديا للوطن، خلال فترة غير محددة، على الرغم من أن تلك المواجهة تحتاج إلى قدر من التكاليف.
يفترض كثيرون أن ذلك قد بات أمرا مقضيا أو أنه لا يهم، لمجرد أن هيكل العلاقات الدولية يبدو وكأنه يفرض حربا باردة جديدة، وأن بعضا آخر في السلطة يرغب فيها، فإن ذلك لا يعني أن الحرب باتت أمرا لا مفر منه.
الشعب مهم أيضا، لكنه موقفه إزاء خيار الحرب ما زال محيرا. لعل الانتخابات المقبلة ستخبرنا عن مصير ذلك الخيار، فتاريخ القرن الــ21 لم يكتب، بعد.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES