FINANCIAL TIMES

طفرة اقتراض .. ديون الزراع الأمريكيين 427 مليار دولار

كان ذلك أكبر مزاد للأراضي الزراعية في وادي النهر الأحمر منذ سنوات: بضعة آلاف من الفدادين من الأراضي الزراعية في ولاية مينيسوتا لزراعة الذرة وحبوب الصويا وبنجر السكر. ولم تبق أية قطعة من تلك الأراضي غير مبيعة عندما انتهى المزاد.
المبلغ الذي دفعه 15 مشتريا، الذي وصل إلى 21 مليون دولار "لم يكن مفاجئا"، بحسب ما قال ستيف دالين، الذي أدار عملية البيع الشهر الماضي. مع تعرض البائع لمتاعب مالية، ووجود عدد ضخم من الأراضي التي يجب بيعها، والحرب التجارية الدائرة بين الصين والولايات المتحدة التي تعمل على تقليص صادرات الحبوب، لم تكن الظروف مشجعة.
قال دالين، وهو وكيل عقاري لدى بايفرز للمزادات والعقارات في مورهيد، "عندما بدأ هذا المزاد، شعرنا بالقلق من أن يكون هناك انهيار في السوق". في الواقع، انتهى المزاد بوصول سعر الفدان الواحد إلى 4500 دولار، أعلى كثيرا من السعر المحلي قبل بضع سنوات.
على الرغم من انخفاض أسعار الحبوب على مدى نصف عقد من الزمن، احتفظت الأراضي الزراعية في الغرب الأوسط بكثير من قيمتها، وأصبحت الأساس في طفرة اقتراض. وارتفعت ديون الزراع في كل أنحاء الولايات المتحدة لتصل إلى 427 مليار دولار، قريبة من المبالغ التي سبقت الانهيار الزراعي في الثمانينيات، عند تعديلها لاحتساب التضخم.
لا يزال الزراع يتمتعون بالجدارة الائتمانية أمام المصارف، حتى مع انخفاض دخولهم، لأن قيمة الرهان المرتبطة بالأراضي تظل عالية. وفي حين انخفض الدخل الزراعي بمقدار النصف عن الذروة التي شهدها في عام 2013، انخفضت حقوق الملكية للمزارع 5 في المائة فقط بسبب قيمة الأراضي المستقرة، وفقا لروبرت جوهانسون، كبير الاقتصاديين في وزارة الزراعة الأمريكية. لكن إن حصل انهيار في الأسعار، قد يتسع نطاق حالات الإفلاس في المزارع ويتسبب ذلك في تعرض المصارف - التي يحصل كثير منها على دعم الحكومة الفيدرالية - لخسائر كبيرة.
وهناك علامات على الإجهاد بدأت بالظهور منذ فترة. في عام 2018 وصلت النسبة بين حجم القروض وصافي الدخل من المزارع إلى أعلى مستوى لها منذ 16 عاما، في حين أن معدلات الديون المتأخرة على قروض المزارع تجاوزت المعدلات على جميع القروض من قبل المصارف التجارية، وفقا للاحتياطي الفيدرالي في مدينة كانساس. كما بدأت الديون المتأخرة بالتراكم أيضا داخل نظام الائتمان الزراعي الذي ترعاه الحكومة، الذي يشكل 40 في المائة من ديون المزارع في الولايات المتحدة.
زاد عدد المقترضين من وكالة الخدمات الزراعية، هيئة تابعة لوزارة الزراعة الأمريكية، بمقدار الربع تقريبا على مدى السنوات الخمس الماضية. وهذا بحد ذاته دلالة على وجود وقت عصيب: حيث يغلب على وكالة الخدمات الزراعية أن تصبح "مقرض الملاذ الأخير" بالنسبة لمعظم الزراع لأنه يجب أن يكونوا قد رفضوا من قبل اثنين من المصارف على الأقل قبل التقدم لهذه الوكالة، بحسب جوناثان كوبس، المسؤول الإداري السابق في الوكالة.
الوضع الذي يتسم باقتران الموارد المالية الضعيفة في المزارع بأسعار الأراضي الثابتة يثير حيرة بعضهم. قال أندرو سوينسون، وهو مختص في الإدارة الزراعية في جامعة ولاية داكوتا الشمالية، "نشعر بالدهشة قليلا إزاء السبب في صمود الأسعار على هذا النحو المرتفع التي هي عليه".
تدخل الحكومة هو أحد الأسباب. قرار الاحتياطي الفيدرالي المتمثل في الحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة - بفعل الضغط الذي يمارسه الرئيس دونالد ترمب - يدعم جميع قيم الأصول، بما فيها أسعار الأراضي. وعملية الإنقاذ التي قدمتها الإدارة بقيمة 12 مليار دولار للزراع المتضررين بسبب الحروب التجارية - التي اتسع نطاقها الشهر الماضي إلى 16 مليار دولار - عوضت أيضا عن الدخل الذي ضاع بسبب الرسوم الجمركية الصينية المفروضة على واردات المزارع.
سبب ثان هو الافتقار إلى عرض الأراضي الزراعية، على اعتبار أن الزراع الذين جمعوا أموالا خلال اندفاع موسم الحصاد السابق يتمسكون بأراضيهم ويسعون إلى اقتناء مزيد منها.
قال بول بيتمان، الرئيس التنفيذي لشركة فارم لاند بارتنرز، هيئة ائتمان استثمارية عقارية مدرجة في نيويورك، خلال مؤتمر عبر الهاتف أخيرا، "الأصول الوحيدة التي تشهد نشاطا بشكل عام هي الأصول التي تتعلق بحالة وفاة أو طلاق أو بعض المشكلات الخاصة المتعلقة بالزراع". وذكر في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز" أن الزراع "لن يخفضوا أسعار أراضيهم وبيعونها بأسعار بخسة لمجرد أنهم تعرضوا إلى أوقات عصيبة خلال سنة أو سنتين".
كما تجتذب الأراضي أيضا جهات استثمار مؤسسية من أصحاب الأموال الكبيرة، مثل "تيا" و"يو بي إس" و"برودنشال"، التي ترى أن الأراضي هي طريقة جيدة لتنويع محافظها الاستثمارية. نصف المشترين الذين توافدوا لحضور مزاد ولاية مينيسوتا كانوا مستثمرين من غير الزراع بمن فيهم مستثمر من نيويورك، بحسب ما قال دالين، وكيل العقارات.
مع ذلك، قد يتسبب ارتفاع أسعار الفائدة في تشجيع بعض هؤلاء المستثمرين على التحول إلى أصول أكثر أمانا لتحقيق العائدات نفسها. في العام الماضي، حققت معدلات الرسملة – وهو مقياس لعائدات الأراضي - أدنى نسبة علاوات مقابل العائدات الخالية من المخاطر في العقد الماضي، وفقا للاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي. وقال المصرف، "لكي يعود الهامش إلى المستوى الطبيعي المعهود تاريخيا، تحتاج قيم الأراضي الزراعية إلى التراجع".
في الولايات الوسطى التي تقع على "حزام الذرة" مثل ولايتي أيوا وإيلينوي، انخفضت إيجارات الأراضي 36 في المائة عن الذروة التي وصلت إليها في عام 2013، في الوقت الذي انخفضت فيه القيمة الحقيقية للأراضي الزراعية 10 في المائة فقط، وفقا للاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو.
جيم ماك كاندليس، رئيس قسم العقارات الزراعية في "يو بي إس لإدارة الأصول"، يلاحظ أن المصرف لم يكن نشطا في مناطق حزام الذرة خلال السنوات الثماني الماضية، لأنه شعر بالخوف من قيم الأراضي الزراعية. قال، "حين تنظر فقط إلى تاريخ هذه المنطقة، وإلى سقوف الأسعار التاريخية التي وصلنا إليها، ستعتقد أن من الممكن أن يكون هناك بعض التراجع إلى القيمة الوسطى".
سيتم اختبار الميزانيات العمومية للأراضي الزراعية في الوقت الذي تتصاعد فيه الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، حيث تعمل على إزالة منافذ مهمة بالنسبة لحبوب الصويا الأمريكية والإيثانول المستخرج من الذرة. وأسعار المحاصيل ارتفعت خلال الأسابيع الأخيرة لأن الأمطار المتواصلة تهدد الغلال، لكن ارتفاع الأسعار يقابله جزئيا انخفاض في الإنتاج من الحقول المشبعة بالمياه.
وأوضح دالين أن شركته هرعت هذا الربيع لإعادة استئجار الأراضي التي يمتلكها المستثمرون بعد أن ابتعد الزراع عن الأراضي المستأجرة لأنه تم رفضهم بسبب القروض التشغيلية. وقال إنه من دون حصول اندفاع مستدام في أسعار السلع الأساسية قد يكون هناك انخفاض في قيمة الأراضي في المستقبل.
قال، "هناك إجهاد في هذا القطاع - كثير من الإجهاد".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES