اليوم العالمي للإبداع والابتكار .. وتوجهات المستقبل

|

ليست المعرفة هي فقط ما نعلم وما نتعلم، إنها أكثر من ذلك،إنها أيضا ما سنبدع وما سنبتكر؛ وما سنقدم للأجيال القادمة. جوهر الإبداع يكمن في تقديم فكرة جديدة أو متجددة تستند إلى أساس علمي سليم. ولعله يمكن التعبير عن مثل هذه الفكرة بأنها "كيان معنوي أو ربما خيال، ينتجه العقل، ويمثل مفهوما أو رأيا أو نموذجا أو تصميما لنظام غير مسبوق". وقد يكون الإبداع فكرة مكتشفة تستند إلى الملاحظة والتجريب كما هو الحال في نظرية الجاذبية الأرضية وتفاحة نيوتن الشهيرة؛ أو قد يكون فكرة ناتجة عن معالجة منطقية مثل كثير من الاستنتاجات العلمية والنظريات الرياضية التي توصل إليها الإنسان. وتعطي أفكار الإبداع المادة الرئيسة التي ينطلق منها الابتكار ليقدم إنجازا مفيدا يعطي قيمة مادية أو يؤدي إليها.
ليس الإبداع ولا الابتكار مقصورين فقط على العلوم والتقنية، على الرغم من أهميتهما الكبيرة، بل إن لهما دورا مهما أيضا في الموضوعات الاجتماعية بما في ذلك الجوانب الاقتصادية. ويعرف المشروع الأوروبي للسياسة النظرية والتنفيذية للابتكار الاجتماعي TEPSIE الابتكارات الاجتماعية على أنها: "حلول جديدة تتوافق مع متطلبات اجتماعية، وتتميز عن حلول أخرى بفاعليتها، وتعطي إمكانات وعلاقات جديدة أو متجددة، وتقدم استخداما أفضل للموارد والأصول المتاحة"؛ أي أنها تقدم أفكارا تخدم المجتمع وتعزز قدرته على الأداء. وعلى ذلك، فإن الإبداع والابتكار في شتى نواحي الحياة مطلوبان لمسيرة فاعلة نحو مستقبل أفضل. يمكن النظر إلى الإبداع، وكذلك الابتكار، عبر منظارين رئيسين: ينظر الأول إلى كل منهما بعين الحذر، ويحاول الامتناع عن استقباله؛ بينما يرحب المنظار الثاني بكل منهما، ويسعى إلى احتوائه، بل والبحث عن مزيد منه. وعلى المبدع أن يدرك مرئيات كل من المنظارين، ويستعد لهما بالوسائل المعرفية اللازمة، والمنطق الموضوعي السليم. يرى المنظار الأول في أفكار الإبداع ومتطلبات الابتكار تغييرا يقتحم المألوف المتعارف عليه، وذلك أمر مثير للمتاعب، فلنبتعد عنه ولنتمسك بما لدينا. ويعتقد هذا المنظار أيضا أن الاستسلام للجديد قد يفرز مزيدا منه، خصوصا أن هذا المزيد يمكن أن يؤدي إلى مشكلات جديدة تحتاج إلى حلول جديدة، حيث يضاعف ذلك التغيرات المطلوبة، ويسبب بروز مزيد من المتاعب التي يجب تجنبها والنجاة منها.
وننتقل إلى المنظار الثاني الذي يرى في أفكار الإبداع ومتطلبات الابتكار فرصة للتطور وتحديث ما هو قائم، ومواكبة العصر وعدم الانعزال عنه؛ وبالطبع مع التمسك بالثوابت وحماية المجتمع وعدم التخلي عنها. فالتغيير الذي يأتي به الإبداع والابتكار، في شتى نواحي الحياة، هو تغيير حميد، طالما أنه يقود إلى عمل مهني إنتاجي متطور أفضل، وحياة اجتماعية أكثر رفاهية. وعلى ذلك فهو يستحق الترحيب والتبني، في إطار ثوابت حماية الإنسان والمحافظة على المجتمع. ويرى هذا المنظار أن أهمية هذا الأمر تكمن في خصائص هذا العصر، حيث بات التنافس المعرفي مقياسا لنجاح الأمم وتقدمها وإسهامها في الحضارة الإنسانية. ويرى هذا المنظار أن مواكبة التطور الذي يشهده العالم لن تكون خيارا كما يرى المنظار الأول، بل حقيقة لا بد من إدراكها والاستجابة لمتطلباتها. ويلاحظ أن المنظار الثاني يلقى التأييد الأكبر من الناس، وهذا ما يجب تعزيزه، بل وتوعية أصحاب المنظار الأول بشأنه.
على أساس ما سبق، نجد أن ثقافة الإبداع والابتكار هي ثقافة العصر، وأنها وإن كانت تخضع للمنافسة بين المبدعين والمبتكرين حول العالم، فإن هذه المنافسة يجب أن تتسم بروح إنسانية تعتمد مبدأ "الربح للجميع Win-Win"، وأن تبتعد عن أي صراع يسبب أذى للناس. ولعل هذا ما دعا الجمعية العامة للأمم المتحدة UN General Assembly، التي تضم جميع دول العالم، وتسعى إلى السلام بينهما، إلى اعتبار يوم 21 نيسان (أبريل) من كل عام يوما عالميا للإبداع والابتكارWCID. جاء ذلك في قرار صدر عن الجمعية في 27 نيسان (أبريل) عام 2017، وأكد على الوعي بدور الإبداع والابتكار في حل المشكلات وفي الإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتنمية المستدامة. وأبرز القرارات أيضا ضرورة اهتمام اليوم العالمي للإبداع والابتكار بدعم العمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة SDGs الـ17 التي وضعتها الأمم المتحدة عام 2015، وتسعى إلى تحقيقها بحلول عام 2030. وقد تحدثنا عن هذه الأهداف في مقالات سابقة.
تعود فكرة وجود اليوم العالمي للإبداع والابتكار إلى ملاحظة أهمية الموضوع عام 1977، والحاجة إلى دراسته، من قبل تلميذة كندية تدعى مارسي سيجال Marci Segal. وتطور الأمر حتى تم الإعلان في تورنتو Toronto، عام 2001، عن ميلاد هذا اليوم، وعن موعده في 21 نيسان (أبريل). وفي عام 2002 شاركت سبع دول في نشاطات هذا اليوم. وفي عام 2006 انضمت دول أخرى إلى هذا الاهتمام، وأعلنت عن أسبوع عالمي للإبداع والابتكار WCIW من 15 إلى 21 نيسان (أبريل) سنويا. لكن الجمعية العامة للأمم المتحدة فضلت فكرة "اليوم" على فكرة "الأسبوع"، حينما أعلنت عن تبنيها لهذا اليوم، عام 2017. وفي التأريخ لهذا التبني تبرز جهود التلميذة السابقة مارسي سيجال الناشطة في نشر الاهتمام بالإبداع والابتكار، إلى جانب جهود روندا كينج Rhonda King سفيرة دولة سانت فنسنت وجرينادين Saint Vincent & The Grenadines في الأمم المتحدة.
يريد اليوم العالمي للإبداع والابتكار من الجميع اكتساب عقلية التفكير والبحث عن أفكار جديدة أو متجددة تستند إلى أسس سليمة وتفيد الجميع. هناك مشكلات كثيرة على مستوى الأفراد والجماعات والأوطان، بل وعلى مستوى العالم بأسره، تحتاج إلى حلول. وهناك متطلبات التنمية التي تبحث عن الريادة في أفكار ومبتكرات غير مسبوقة، تحمل قيمة مادية تفعل التنمية وتفتح آفاقا لاستدامتها. وكي يستطيع الجميع الاستجابة لهذه المشكلات وتلك المتطلبات لا بد من "بيئة سلام" جامعة، المنافسة فيها منضبطة بالأخلاق والحكمة، والتعاون فيها معزز بالشغف والعطاء.

إنشرها