ثقافة وفنون

في أولوية السلم على العدل

يتجدد السجال بشأن العلاقة بين السلم والعدل كلما تأزمت الأوضاع الإنسانية، وتعقدت أحوال المجتمعات، بحثا عن أجوبة للأسئلة التي تحاصر هذه الأمة أو ذاك المجتمع. خصوصا أن هاتين القيمتين؛ إضافة إلى قيم أخرى بدرجات متفاوتة، شكلت على الدوام محركا أساسيا لدينامية وتطور المجتمعات البشرية عبر التاريخ. ولا أدل على ذلك، من الحضور القوي لهاتين القيمتين في متن مختلف الديانات والرسالات السماوية.
لكن هذا الحضور وحده غير كاف لفك الاشتباك وفصل المقال بينهما، فموطن الخلاف والتباين في المجتمعات المسلمة "داخليا قائم لجهة فهم وتأويل الأفراد للنصوص الدينية من ناحية، واختلاف التقديرات بشأن ترتيب هذه القيم في سلم الأولويات استجابة للتحديات التي يطرحها واقع الحياة المعاصرة من ناحية أخرى. وبلغ الأمر بالبعض مبلغ المفاضلة بين هذه القيم، ولي عنق النصوص الدينية، وإعمال منطق الانتقائية عند التعاطي مع التجربة التاريخية للمسلمين، قصد إضفاء الشرعية على أفكار "أطروحة" بعينها، والتأسيس لها بدعوى أنها الأصل والأساس الذي ينبغي للمجتمعات الدفاع عنه.
تزداد صورة الالتباس وضوحا؛ على الصعيد الخارجي "الدولي"، عندما تزاحم هذا الاشتباك طروحات فكرية متطرفة "صدام الحضارات، نهاية التاريخ وغيرها" تدعي مركزية الذات وتبعية الآخر لها. وتعتقد بأفضليتها وسموها عن بقية بني البشر، بشرعيات مختلفة؛ قد تكون تاريخية "الاستعمار" أو اقتصادية "الهيمنة" أو سياسية أو عسكرية أو غيرها.
منح ما سبق كل فسطاط شرعية ادعاء التمايز والأفضلية والفرادة، فتوالت الثنائيات تباعا: "الأنا" "الآخر"، "نحن" "هم"، "المسلمون" "الغرب"، "الأصلي" "المهاجر"، "المواطن" "اللاجئ". ما أفضى إلى مزيد من التأزيم في وضع مأزوم أصلا. وحاصر نطاق دائرة السلم لصالح اتساع دوائر النزاع، وتنامي خطاب العنف بمختلف أنواعه "الديني، الفكري، العرقي، السياسي...".
البحث في دواعي انتشار هذا الخطاب يقودنا إلى إعمال مبدأ الترجيح في القيم، فأنصار الثنائيات يرون أنفسهم أصحاب حق فيما البقية ذوو مظلمة، والسبيل الوحيد للوصول إلى القيم هو السعي لإحقاق العدل في الأرض قصد بلوغها، دون اعتبار لما قد يتلازم والسعي وراء هذا المقصد.
بذلك يكون الإشكال هو ذات السجال المتجدد من حين إلى آخر، بين رجال الفلسفة والفكر والدين، بشأن تنازع القيم أو تصادمها أو حتى صراعها. بناء عليه نتساءل على أي أساس يمكن الاستناد إلى المفاضلة والترجيح بين قيمة السلم وقيمة العدل، متى اعتبرنا أنها في تنازع أو صراع؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فأي منهما يحظى بالأولوية هل قيمة السلم أم قيمة العدل؟

أنصار قيمة السلم
يعد إيمانويل كانط المنظر الأكبر لأطروحة السلام، من خلال كتاب "مشروع للسلام الدائم" الذي كتبه في نهاية القرن الثامن عشر؛ أي في وقت سابق لأوانه، وهو ما يفسر لنا لماذا تم نسيانه، ولم تتم استعادته إلا في القرن الـ20.
قد يكون الفيلسوف الألماني الأكثر شهرة بين المفكرين الغربيين في التنظير للسلم والسلام، ربما لكونه الأول الذي حاول تقديم أطروحة مكتملة الأركان بشأن الموضوع. لكنه ليس الأول على أية حال، فقد سبقه عديد من الأسماء إلى الكتابة في مبحث السلم، من مداخل مختلفة وزوايا نظر متنوعة.
تاريخيا، بدأت أولى التنظيرات التي عملت على تطوير مفهوم السلم مع المفكر الفرنسي بير دوبيس في مؤلفه "في نهاية الحروب وجدل في المملكة الفرنسية"، الذي نشر أوائل القرن الرابع عشر (عام 1301). ثم جاء من بعده كازيخ كنيق المفكر الألماني الذي أسس دعوته على تأييد فكرة السلم مع الإخوة في النصرانية والحرب مع البقية "الأعداء". وظهرت في الربع الأول من القرن الـ16 دعوة إراسموس التي ارتكزت على النزعة الإنسانية، في مقال له بعنوان "شكوى السلام".
وتبقى إحدى أهم المحاولات بشأن السلم في أوج الصراع والتطاحن في القارة الأوروبية على يد تشارلز بير الفيلسوف الفرنسي في مؤلفه "مشروع تطبيق السلام في أوروبا"، الذي تم نشره في عام 1712. بعد نصف قرن، تحديدا عام 1761، جاءت محاولة الفيلسوف جان جاك روسو في كتاب بعنوان "خطاب تطبيق وإحلال السلام" الذي طبع بعد وفاته عام 1782.
كانت هذه بدايات التنظير الفلسفي لمفهوم السلم، قبل أن يستوي على ما هو عليه راهنا، وتبقى محاولات يشد بعضها بعضا حتى وصلت حد إقامة نظرية متكاملة الأركان بشأن السلم في العصر الحديث.
وخير مثال على اشتداد عود نظرية السلم، التعريفات التي سيقت في معرض تحديد المفهوم اليوم، قياسا إلى ما يتم تداوله في الكتابات الأولى لهؤلاء الفلاسفة، بما فيها التعريف الذي قدمه إيمانويل كانط الأب المؤسس للنظرية.
من بين التعريفات الحديثة للسلم تلك التي قدمها المفكر عبد الله بيه الذي يعرف السلم بأنه "الحالة التي تسود فيها الطمأنينة النفسية والروحية والسكينة بين أفراد المجتمع لتنعكس على العلاقات بين الأفراد والجماعات، ليكون السلم الاجتماعي حالة من الوفاق تضمن بالدرجة الأولى الكليات الخمس ومكملاتها: المحافظة على: الدين، النفس، الأموال، الأعراض، والعقول".
يتضح من خلال هذا التعريف أن قيمة السلم صاحبة الأولوية على باقي القيم، ببساطة لأنها الضامن الحقيقي لها. فأي معنى سيكون لباقي القيم في غياب القيمة الأم التي هي السلم؟ فالأولوية إذن تبقى من نصيب للسلم على الحقوق الثابتة أو المزعومة مادية أو معنوية فردية أو جماعية دينية أو دنيوية، لأن الحقوق فرع عن السلام فلا ثبوت لفرع دون أصل.
إن فقدان الإنسان للسلم فقدان لكافة الحقوق بما فيها الحق في الوجود، ما يجعل من السلم قيمة مركزية في حياة الأفراد، تدور معها باقي القيم وجودا وعدما. هذه المركزية دفعت هيئة الأمم المتحدة إلى إعلان العشرية المنصرمة (2000-2010) عقدا دوليا خاصة بالسلم وثقافة السلام، وذلك في أفق إقامة سلم عالمي، مؤسس على الاحترام الكامل لمبادئ السيادة وحقوق الإنسان والحريات الأساسية والاعتماد على الحوار والتعاون بين الأمم والثقافات المختلفة.

أنصار قيمة العدل
كان مبحث العدل محط نقاش لا يتوقف، منذ بداية التاريخ حتى العصر الراهن. وكانت معه أسئلة العدالة حاضرة على الدوام في النقاش الفكري والفلسفي لدى مختلف الحضارات الإنسانية، كل وفق منظورها الخاص للموضوع.
لا يزال هذا السجال في مباحث العدالة مستمرا ومحتدما أحيانا، فقد عرف القرن الماضي مثلا تقديم المفكر جون راولز أطروحة بشأن العدالة تحت اسم "العدالة كإنصاف" (2001)، التي كانت في الأصل "نظرية العدالة" (1971). وقد كتبت في معرض مناقشتها ونقدها العشرات من الكتب من ضمنها كتاب للمفكر الأمريكي مايكل ساندل "الليبرالية وحدود العدالة" (1989)، وآخر للمفكر الهندي أمارتيا صن "فكرة العدالة" (2012).
بالعودة إلى التاريخ الإسلامي، نجد أن عديدا من النقاشات التي أقيمت حول العدل تبلورت بشأنها عدة مباحث فرعية، شكلت أساسا تم وفقه صياغة عديد من المقولات التي تسوق اليوم كأسس وثوابت في "النظرية السياسية" في الإسلام. في حين أن الأمر في منشئه لا يعدو أن يكون تعبيرا عن وجهة نظر لفصيل معين بشأن مسألة محددة.
يستدعي أنصار أولوية العدل في نقاشاتهم أقوالا مأثورة من أجل تعزيز موقفهم، ويقدمونها في معرض الدفاع عن إعلاء قيمة العدل، منها مقولة "العدل أساس الملك" التي تنسب تارة لابن خلدون، وتارة لأبي حامد الغزالي. وقول ابن تيمية "إن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة"، إلى غير ذلك من الأقوال التي عادة ما تكون ذات سياق تاريخي معين.
وفي مبررات أولوية العدل على السلم، يرى هؤلاء أن العدل فضيلة مؤسسة للسلم ومصححة لمساره، واضعة تجلياته في الإطار الأمثل. فالعدالة الاجتماعية المبنية على تفعيل المساواة، واحترام حقوق وكرامة الإنسان، هي المقدمة الضرورية لإقرار السلم داخل المجتمعات، وفيما بينها.
يبقى السلم متى تم إحقاق العدل في الأرض تحصيل حاصل بالنسبة لهؤلاء، كما أن إحقاق السلم دون عدل يبقى قاصرا وبلا معنى. أي أن قيمة العدل أساس ترتكز عليه باقي القيم، لا بل القاعدة الصلبة التي تضمن لبقية القيم الاستواء والاستقامة متى تم إحقاقه في الأرض.
لكن السؤال الذي يتجاهله أنصار قيمة العدل، الذي لا يجدون له جوابا واضحا هو: ما جدوى العدل بعد إزهاق النفوس في الحروب والصراعات في سبيل إحقاقه؟ ثم أي عائد أو فائدة لهذه القيمة على النفوس التي تقدم قربانا لها؟

في أولوية السلم
على العدل
تجد أولوية قيمة السلم على قيمة العدل أساسا لها في عديد من الحجج التي يصعب على أنصار العدل تفنيدها أو على الأقل تقديم ما يناكفها. نذكر من بينها ما يلي:
أولا: كيف لنا أن نميز في قيم العدل بين ما هو مطلق لا يختلف باختلاف الزمان أو المكان أو الأحوال وبين ما هو نسبي تختلف مقادير ونسب العدل في بنيته بحسب الزمان والمكان والأحوال؟ في حين تبقى قيمة السلم ثابتة المعنى والمبنى، لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والحالات. ناهيك عن أن مفكري ومنظري العدل لا يزالون ينقسمون على أنفسهم شيعا ومذاهب، وخير شاهد على ذلك ما تم إيراده سلفا بشأن أطروحة "نظرية العدالة".
ثانيا: إن نقاش قيمتي السلم والعدل من جنس قياس قيمتي الحياة والحرية، فلم تكن يوما مقبولة التضحية بالحياة ثمنا من أجل نيل الحرية، فإن الأمر كذلك بالنسبة لقيمة "السلم" وقيمة "العدل"، إذ ليس مقبولا خوض الحروب والتعرض للهلاك من أجل دفع الظلم والجور.
ثالثا: تعد دعوة إحقاق العدل قبل السلم فاعلا مهما في التحولات العالمية، ووسيلة في يد "الضعفاء" والمتطرفين يرمون من ورائها إلى تحقيق العدل في الأرض ونصرة المظلومين في وجه الطغاة. بيد أن إمعان النظر في هذا الادعاء يكشف أن أساس الترجيح هنا تقديم المصلحة الخاصة؛ وهي تحصيل العدل لهذه الفئة، ذات الأفضلية في الترتيب على السلم الإنساني الذي يبقى مصلحة عامة.
رابعا: السلم مقدم على العدل، فمقصد السلام مقدم على الحقوق سواء كانت دينية أو دنيوية. إذا دققنا النظر في النصوص التأسيسية نلاحظ حثها على ترسيخ قيم السلم، ولكن الفكر الديني البشري يوجه الدين كيفما شاء، ويوظفه في بث الفتن والحروب وغرس ثقافة الرعب والخوف.
خامسا: في التاريخ الإسلامي والإنساني عموما عديد من المواقف والمحطات التي نزع فيها أصحابها إلى السلم وهم في موقع قوة يمكنهم من إحقاق وتنفيذ العدل. فالرسول الكريم عندما عاد منتصرا من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة التي اضطهده أهلها لم يعاقبهم، بل ردد عبارته الشهيرة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". كما أن عديدا من التجارب الإنسانية الحديثة لم تسلك العدالة لإقرار الحقوق لأصحابها، وإنما اختار الجنوح إلى السلم وإقرار المصالحة الوطنية كالمغرب، وجنوب إفريقيا، والأرجنتين وغيرها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون