أخبار اقتصادية- عالمية

صناعة السيارات البريطانية أمام مفترق طرق في أكتوبر .. تواجه تداعيات "بريكست"

تتلقى صناعة السيارات البريطانية منذ بداية العام الجاري، مجموعة من الضربات والركلات المتتالية، باتت معها مكانة بريطانيا في تلك الصناعة على المحك.
آخر الأخبار في هذا السياق، تشير إلى أن شركة فورد الأمريكية تخطط لإغلاق مصنعها في بريطانيا العام المقبل، ما يعني فقدان 1700 وظيفة، وتأتي تلك الأخبار المؤلمة بعد أن أعلنت شركة "هوندا" في شباط (فبراير) الماضي قرارها بإغلاق مصنعها في المملكة المتحدة بحلول عام 2012.
قرار شركة هوندا اليابانية تبعته في حينها إعلانات من شركات بارزة في مجال تصنيع السيارات، تتعهد فيها بإغلاق مصانعها أو تخفيض سعتها الإنتاجية في المملكة المتحدة، بما في ذلك شركة نيسان اليابانية التي قررت إنتاج بعض "الموديلات" الجديدة في اليابان، وليس في بريطانيا كما كان مقررا سلفا.
المشهد الكئيب الذي يجتاح صناعة السيارات البريطانية الآن، يتناقض تماما مع ما كان عليه الوضع عام 2017، عندما وصفت راشيل ريفز رئيسة لجنة استراتيجية الأعمال والطاقة والصناعة قطاع السيارات بأنه قصة نجاح في المملكة المتحدة، فبريطانيا رابع أكبر منتج للسيارات في الاتحاد الأوروبي، والـ13 عالميا.
ومثّل عام 2018 من وجهة نظر كثير من خبراء صناعة السيارات، بداية المأساة الراهنة لتلك الصناعة البريطانية العريقة، التي تواجه أزمة ركود، فقد انخفض إنتاج السيارات في المملكة المتحدة بنحو 9 في المائة مقارنة بعام 2017.
ويقول لـ "الاقتصادية"، المهندس سايمون هاريسون، الاستشاري في جمعية مصنعي وفني السيارات في المملكة المتحدة، "في عام 2017 ذهب 54 في المائة من صادرات السيارات المجمعة في المملكة المتحدة إلى دول الاتحاد الأوروبي، و79 في المائة من واردات السيارات إلى المملكة المتحدة جاءت من الاتحاد الأوروبي، وهذا يكشف عن أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تعد شديدة الحيوية بالنسبة لصناعة السيارات البريطانية، وهذا المشهد أصيب بارتباك شديد مع تصويت الناخب البريطاني لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، فحالة عدم اليقين حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي تسببت بالفعل في أضرار جسيمة للإنتاج والاستثمار وفرص العمل".
ويضيف هاريسون، أن "فقدان الروابط التجارية مع الاتحاد الأوروبي يمكن أن يسبب الدمار لصناعة السيارات البريطانية، ففي عام 2018 أنتجنا 1.52 مليون سيارة مقابل 1.70 مليون سيارة عام 2017، وذلك أقل بكثير من أعلى معدل إنتاجي بلغته صناعة السيارات البريطانية عندما ضخت 1.92 مليون سيارة عام 1972، وعلى الرغم من أن صادراتنا من السيارات حققت في عام 2017 قرابة 33 مليار استرليني، فإن وارداتنا من السيارات بلغت 35 مليار استرليني".
في السياق ذاته، تعد الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي واليابان، التي دخلت حيز التنفيذ في أول شباط (فبراير) الماضي، معضلة أخرى لشركات السيارات اليابانية التي لديها مصانع في المملكة المتحدة، مثل نيسان، وهوندا، وتويوتا.
وتقلل الاتفاقية الحواجز الاقتصادية - بما فيها التعرفة الجمركية – التي تقف حائلا أمام تصنيع السيارات في اليابان وتصديرها للاتحاد الأوروبي، وهذا يعني أن شركات السيارات اليابانية فقدت حافز تشييد مصانعها في المملكة المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، ليكون لديها القدرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية، إذ باتت تمتلك تلك القدرة بفضل الاتفاقية التجارية الموقعة مع التكتل الأوروبي.
الدكتور مايكل كريس، أستاذ هندسة صناعة السيارات في جامعة جلاسكو، يعرب لـ"الاقتصادية"، عن اعتقاده بأن العلامات الفاخرة في صناعة السيارات البريطانية، مثل جاكوار لاند روفر، ستواجه وضعا استثنائيا سيئا، بسبب التراجع الكبير في مبيعات سياراتها في الصين، أكبر سوق للسيارات الفخمة التي تصنعها المملكة المتحدة.
ويضيف لـ"الاقتصادية"، أن "الصناعة بأكملها تواجه تحديات هيكلية تسبب اضطرابا لجميع شركات تصنيع السيارات، فجاكوار لاند روفر تواجه مشكلة زيادة العرض، وفوكسويل وهي جزء من مجموعة بي إس إيه، التي تمتلك أيضا بيجو، وسيتروين تعمل على إعادة الهيكلة لتقليل التداخل بين عديد من السيارات المماثلة التي تصنعها المجموعة".
ولا شك أن الانخفاض الهائل في شعبية سيارات الديزل، خاصة بعد فضيحة الانبعاثات الغازية عام 2015، وموجة حظر سيارات الديزل في عديد من مناطق أوروبا، يؤدي إلى تغيرات سريعة في تكوين المصنع، ما يتطلب استثمارات مالية ضخمة، وهو ما تحجم عنه عديد من شركات السيارات البريطانية في الوقت الحالي على الأقل.
إلا أن أندري روبن، الباحث الاقتصادي، يعتقد أن للموضوع أبعادا أخرى، فتزايد شعبية السيارات الكهربائية والاهتمام بالسيارات ذاتية التحكم، أوجد تحديات جديدة للاستثمار في صناعة السيارات البريطانية، فتفضيل المستهلك أنواعا جديدة من المركبات، فاجأ نسبيا عديدا من الشركات المصنعة، كما أن الزيادة الشعبية في مشاركة الركوب عبر تطبيقات "أوبر" وغيرها قد حد نسبيا من الطلب على السيارات.
الأمر المؤكد أن صناعة السيارات البريطانية تواجه حاليا عاصفة، وسط تصاعد اليقين لدى بعض كبار رؤساء مجالس الإدارات بأن الإعصار الحقيقي لم يضرب بعد، وأن موعد اجتياحه للصناعة البريطانية في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل عند الانسحاب من الاتحاد الأوروبي "بريكست".
إلا أن تلك الروح التشاؤمية لا تنفي ثقة البعض بأن الصناعة العتيدة والعريقة نجحت في التغلب على الرياح المعاكسة في الماضي، وكان آخرها الأزمة المالية في عام 2008.
ويرجع المهندس ريكس بيج من وكالة الطاقة الدولية، انخفاض الطلب على السيارات البريطانية إلى الانخفاض في مبيعات سيارات الديزل، ففي كانون الثاني (يناير) تراجع عدد سيارات الديزل المسجلة بنحو 20 في المائة مقارنة بالشهر ذاته في عام 2018. والتصور العام الآن هو أن محركات الديزل ملوثة للبيئة، إلا أن الصناعة البريطانية تصر على أن محركات الديزل الجديدة أكثر نظافة من سابقاتها، وإذا كان من الصعب إقناع المستهلكين بهذا في الوقت الراهن، فإنه بمجرد حدوث تغير في المزاج العام، فإن الديزل سيعود ليصبح الخيار الصحيح للمستهلك لأنه أوفر اقتصاديا.
ويضيف ريكس بيج، أنه "لا يمكن للصناعة أن تواجه العاصفة بمفردها، إنها بحاجة إلى دعم حكومي قوي لتشجيع مزيد من عمليات شراء السيارات، وتلك هي الضمانة الوحيدة لإنقاذ تلك الصناعة البريطانية المتعثرة".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية