FINANCIAL TIMES

في الصين .. ترشيد أحلام الطبقة الوسطى بلجم التطلعات

في إحدى الأمسيات الأخيرة عند غروب الشمس، ذهبت تاو جيالي إلى سطح شركة التكنولوجيا التي تعمل فيها، ضمن مبنى يضم ثمانية طوابق يشرف على طرق سريعة في هانغتشو.
هناك حاجز حماية منخفض هو ما يفصل السقف عن الأفق الضبابي. وتقول: "هذا هو المكان الذي يذهب إليه الموظفون لالتقاط صور سيلفي قبل تسريحهم".
في الأشهر الأخيرة، عانت شركة نت إيز NetEase، من موجة تسريح الموظفين نفسها التي عصفت بباقي قطاع الإنترنت في الصين مع تباطؤ الصناعة.
قبل شهرين، أخبرت المشرفة تاو أنها ستفقد وظيفتها أيضا، لكن من حسن حظها، أن هذا القرار ألغي فجأة.
كانت قد بدأت للتو في إرضاع ابنتها المولودة حديثا، وهي فترة يتمتع فيها الموظفون بحماية خاصة بموجب قانون العمل الصيني.
وتقول، إن هذه الفترة تنتهي خلال ثلاثة أشهر. بعد ذلك يبدو مستقبلها غير مؤكد. "لا أعرف كيف أخطط. ربما يحسن بي أن ألتقط الصور الآن".
انضمت تاو إلى الشركة قبل عامين، وهي وظيفتها الرابعة بعد انتقالها من شركة إلى أخرى للحصول على رواتب أعلى من ذي قبل.
القفز بين الوظائف الذي من هذا القبيل هو أمر طبيعي في التكنولوجيا الصينية: وفقا لبيانات من تطبيق لنكدإن LinkedIn، يبلغ متوسط مدة البقاء في العمل 1.5 عام. وهي تعتقد أن هذه السلاسة في سوق العمل قد انتهت.
في وقت تعيينها، كانت الشركات تتوسع بسرعة. وتقول إن المقابلات كانت شكلية. وهي الآن تواجه احتمال البحث عن عمل في فترة من الركود الاقتصادي.
هي قلقة أيضا من أن أرباب العمل المحتملين سيضعونها في فئة الموظفات المحتملات غير المرغوب فيهن: النساء المتزوجات اللواتي ربما يكن على وشك الحمل.
كما تقول عن نفسها وزوجها، وهو أيضا موظف في التكنولوجيا يكسب راتبا عاليا: "بشكل عام، نحن محظوظون للغاية. كل ما في الأمر أن هناك كثيرا من شؤون الحياة الكثيرة التي يجب أن نقلق بشأنها".
بالنسبة إلى كثيرين، قد يبدو من الغريب إلى حد ما أن يكون لدى تاو أي مخاوف على الإطلاق. لديها هي وزوجها دخل سنوي مشترك يبلغ نصف مليون رنمينبي (72700 دولار)، ما يجعلهما بسهولة ضمن فئة أعلى 10 في المائة من أصحاب الدخول في الصين.
ولدى زوجها منزل باسمه، وهناك ثلاثة منازل إضافية يملكها آباؤهما اللذين يعيشون جميعا بالقرب منهما ويمكنهم المساعدة في رعاية الأطفال، كما هو الحال تقليديا مع الأجداد الصينيين. كونهم من هانغتشو، لديهم تصريح بسكن محلي أو التسجيل الأسري الذي يتيح لهم الوصول إلى مزايا التعليم والضمان الاجتماعي.
إلا أن تاو لا تزال تشعر أنها بعيدة عن الأمان، فهي تعد أن عائلتها بالكاد من الطبقة الوسطى.
وتدخر هي وزوجها ما بين عشرة آلاف و20 ألف رنمينبي في الشهر، لكن هدفها في شراء منزل يبدو بعيد المنال. وهي تتساءل عما إذا كانت ستكون محظوظة بما يكفي لإدخال ابنتها، جوانجوان، مدرسة ابتدائية لديها فرصة تهيئتها لمدرسة إعدادية جيدة، ما يعني احتمالات أفضل لتعليم ثانوي وجامعي جيد.
باختصار، هي تعاني القلق النموذجي لعائلة مهنية صينية شابة. وتقول: "عندما كنت حاملا بجوانجوان، فكرت في تسجيلها في فصل باليه عندما تكون أكبر سنا. اعتقدت أنني تقدمية للغاية. ثم اكتشفت أن جميع الأمهات الأخريات فكرن في هذا الأمر من قبلي".
وضع تاو هو جزئيا نتيجة التحولات الهيكلية في الاقتصاد والمجتمع في الصين التي كانت تتشكل على مدار العقود الثلاثة الماضية، منذ أن بدأت الخصخصة بجدية. يصف المعلقون الصينيون انعدام الأمن لدى الطبقات الوسطى بأنه ينشأ من تزايد عدم المساواة، إلى جانب انخفاض الحراك الاجتماعي المعروف باسم "التصلب الطبقي".
تاو بدأت أيضا في تحمل تكاليف التباطؤ الاقتصادي التي تختمر منذ تسع سنوات. في حين أن نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بمعدل يتجاوز 6 في المائة أعلى من جميع البلدان الغربية، إلا أنه أقل بكثير مما اعتادت عليه كثير من الشركات والأسر الصينية.
جوهر المشكلة هو النظام المالي الصيني. اعتمدت الحكومة على المصارف للإقراض بكثافة خلال سنوات الطفرة، لكنها تحاول الآن تقليص حجم الإقراض.
تتعامل السلطات مع عواقب القروض الوفيرة التي انتهى بها الأمر إلى تأجيج مشاريع غير مربحة، وخطط إقراض استهلاكية غير سليمة، وأسعار العقارات.
نتيجة لذلك لا يزال كثير من شركات التكنولوجيا تنمو، ولكنها تسرح العمال. لا تزال الاستثمارات تحقق العوائد، لكن الملايين من الأفراد، بمن فيهم تاو، فقدوا مدخراتهم في انفجار فقاعة إقراض النظير إلى النظير.
انتقلت أسعار المنازل في المدن الكبيرة من النمو السريع إلى الاستقرار، بسبب القيود الحكومية على شراء المنازل فقط، وهو ما أغضب أصحابها والمشترين المحتملين.
تقع التوقعات المتباينة في قلب مخاوف تاو. وقالت لي تشونلينج، وهي باحثة بمعهد علم الاجتماع في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية: "لدى الجيل الأول للطبقات الوسطى عموما رغبات مادية أقوى، فهم يريدون مطاردة هدف أعلى ولديهم مزيد من التحفيز".
لي أضافت: "لن يكون الوضع كما كان في الماضي، عندما تتحسن مستويات المعيشة كل عام، قد تكون تنحو إلى أن تكون راكدة أو حتى تنخفض، بعد فترة. على أن الطبقات الوسطى لم تغير طريقة تفكيرها حتى الآن".
أثناء تناولها العشاء مع والديها، وضعت تاو بوريه الفواكه المستوردة في فم جوانجوان، الذي يكلف 30 رنمينبي لكل كيس.
وقالت تاو: "لا أعرف ما إذا كان هذا آمنا، لكنه أكثر تكلفة، لذا فهو يعد أكثر أمنا".
تنبع مخاوفها من فضيحة سلامة حليب الأطفال في الصين منذ أكثر من عشر سنوات، عندما دخل الآلاف من الأطفال إلى المستشفى وتوفي بعضهم بعد تناولهم جرعات من الحليب الملوث.
تبتسم والدة تاو، التي ولدت في عام 1957، وتقول: "كانت الأمور أكثر بساطة عندما أنجبت جيالي. لم نكن نفكر في أي من هذه الأشياء. كنت أطعمها عصيدة الأرز قبل فترة طويلة من الوقت الذي يجب أن تتناوله، لكن لم يكن أحد واعيا لهذه الأمور في ذلك الحين".
والدا تاو، اللذان ولدا في الصين التي كانت تعاني حينها فقرا وشهدت نموا اقتصاديا لا يمكن تصوره، ينتميان إلى جيل متفائل. عاشت تاو خلال طفرة تلاها تباطؤ اقتصادي في مرحلة البلوغ لديهم. لقد شكلوا توقعات، خاصة بالنسبة إلى أطفالهم، لنوعية حياة لم تعد مضمونة. وقالت: "من السهل الانتقال من التوفير إلى الفخامة، ولكن من الصعب الانتقال من الفخامة إلى التوفير".
دولة الرعاية الاجتماعية القائمة على "ضمان الأمن الوظيفي" الذي أطعم والدي تاو لم يعد لها وجود. على الرغم من كون الصين اشتراكية بالاسم، إلا أنها توفر العمالة الأساسية والتأمين الطبي. سيادة القانون في حد ذاتها عشوائية، ما يضيف نوعا من الإحساس باللبس إلى التحديات اليومية.
قالت تاو: "زوجي نادرا ما يغضب، لكنني رأيته يصرخ ذات مرة على رجل عجوز، بسبب غضبه من الطريق. وبخته على فعلته. ماذا لو أصيب الرجل العجوز بنوبة قلبية واحتاج إلى دخول المستشفى؟ يجب أن ندفع رسوم المستشفى مقابل علاجه".
كلمتان تبرزان مرارا وتكرارا عندما تتحدث تاو عن حياتها هما "المنافسة" و"اليانصيب".
تريد هي وزوجها شراء منزل بالقرب من المدرسة الثانوية المرغوبة لابنتهما، وهي مدرسة هانغتشو جيانلان، لكن يتعين عليها توفير مبلغ مقدم يصل إلى 60 في المائة - وهو إجراء فرضته كثير من الحكومات المحلية في جميع أنحاء الصين لوقف ارتفاع أسعار العقارات.
قالت لي: "النمو السريع للاقتصاد وفر كثيرا من الفرص، وهذه الفرص وسعت الفروق بين الناس. أنت الآن بحاجة إلى منافسة شرسة للحصول على هذه الفرص".
الضغط التنافسي للالتحاق بالمدارس الراقية كبير للغاية، حيث تقابل أفضل المدارس أولياء الأمور وتطلب السير الذاتية للأطفال في سن 11 عاما. حتى المدارس الابتدائية المفرطة في الطلب عليها تتطلب أحيانا تقديم طلبات. في الفترة الأخيرة انتشرت سيرة ذاتية مؤلفة من 14 صفحة لطفل يبلغ من العمر خمس سنوات في شنغهاي، انتشارا واسعا فيروسي للغاية على وسائل التواصل الاجتماعي. وأشارت إلى إنجازات مثل "قراءة أكثر من 500 كتاب باللغة الإنجليزية في السنة".
بالنسبة إلى تاو، يبدو الأمر وكأن هانغتشو بأكملها تسعى وراء الموارد نفسها التي تسعى هي وراءها.
ويدعم هذا الشعور عن طريق الأبحاث. قال قوه بن، أستاذ الإدارة في جامعة تشجيانغ: "تخصيص الموارد التعليمية غير متساو إلى حد بعيد للغاية. هناك اختلافات كبيرة حتى داخل المدن الكبيرة".
نسير أمام المدرسة الابتدائية التي تحلم بها تاو لابنتها. تعترف تاو بأنها لا تجرؤ على إهدار أي طلب واحد للتقديم فيها. سيتطلع كثير من الآباء الآخرين إليها أيضا، خاصة أن الرئيس تشي جين بينج زارها عدة مرات.
بدلا من ذلك، تعتزم تسجيل جوانجوان في فصول اللغة الإنجليزية من سن سنتين أو ثلاث سنوات، وكذلك الباليه وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن تضيف إلى سيرتها الذاتية.
"ما زالت هذه تشكل ضغوطا كبيرة"، قالت مازحة وهي تنفض رأس جوانجوان الريشي، "شعرها يتساقط من الآن".
في يوم السبت، لا يزال زوج تاو في العمل. تضحك تاو، واصفة إياه بـ"أكثر من 996" (من التاسعة صباحا إلى التاسعة مساء، ستة أيام في الأسبوع).
أصبح الرقم 996 أخيرا كلمة رائجة للغاية بعد أن بدأت حركة العاملين في مجال التكنولوجيا حملة ضد ساعات العمل الطويلة. هذه الحملة عارضها جاك ما، رئيس شركة علي بابا، قائلا، إن الساعات الطويلة هي "نعمة" واختبار للقوة.
لطالما كانت أخلاقيات العمل الشاق جزءا من صورة الصين، في الداخل والخارج، لكن كلمات ما تبدو في غير محلها الآن. في العامين الماضيين، أصبحت القصص تنتشر انتشارا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، تتحدث عن المهنيين الشباب الذين يمرضون أو حتى يلاقون حتفهم بسبب العمل الإضافي.
كثير من ألمع الشباب في البلاد يتحملون نظام 996 بعد تأقلمهم لساعات طويلة من الدراسة خلال امتحانات القبول الجامعي المشهورة بأنها تنافسية فوق الوصف. يعتقد كثيرون أيضا أن الفرصة قد تكون في سبيلها إلى الإغلاق.
وقال وانج ون، العميد التنفيذي لمعهد تشونجيانج للدراسات المالية في جامعة رنمين": "الكل يشعر أن التجمد الطبقي آت في الطريق، لكن هذا لم يحدث بالكامل. بالتالي يعتقد الجميع أنه لا تزال لديهم فرصة للخروج من طبقتهم الاجتماعية التي يأتون منها" قبل إسدال الستار على المسرح الآيل إلى السقوط.
وهو يجادل بأن العائلات في البلدان المتقدمة العائلات لديها توقع أقل بشأن الحراك الطبقي - بينما في الصين، لا يزال الناس يشعرون أن هناك شيئا يجب السعي إليه. وهذا بدوره يؤدي إلى القلق.
وحيث إن زوجها يعمل في عطلة نهاية الأسبوع، تأخذ تاو ووالداها جوانجوان إلى حديقة الحيوانات في هانغتشو، بجانب البحيرة الغربية الشهيرة التي شكلت قلب المدينة القديمة.
هذه هي المنطقة التي زارها ماركو بولو في أواخر القرن الـ13، عندما أعلن أن مدينة هانغتشو هي أروع مدينة في العالم.
وقالت تاو، التي تعترف بالمفارقة في هذا القول: "أنا أشعر بالحنين إلى وضع المدينة قبل مجيء عمالقة التكنولوجيا. نمت المدينة وكذلك طموحاتنا".
بنظرها إلى الوراء، تقول تاو ووالدتها إنهما لا تلاحظان سوى ضغوطا تنافسية في حياتهما، منذ أن التحقت تاو بالمدرسة الثانوية في أوائل العقد الأول من القرن الحالي.
يردد أكاديميون هذه النقطة قائلين، إن التركيز المتزايد على المنافسة تزامن مع تحول الاقتصاد الصيني إلى اقتصاد قائم على السوق، بعد انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.
قال وانج: "التغيرات السريعة في المجتمع والإمكانات التي جاءت مع هذه التحولات، تعني أن الجميع لديه توقعات عالية من أجل التغيير. حين تكون هناك فجوة ضخمة بين التوقعات العالية والمتدنية نسبيا، يشعر الناس بالقلق الاجتماعي".
كان والدا تاو حريصين على أن تبقى قريبة من مدينتها من أجل الدراسة الجامعية، ولذلك فهي لم تسكن قط في أي مكان آخر، لكنها أخذت تفكر في الفترة الأخيرة في الهجرة إلى الولايات المتحدة أثناء إحدى العطلات.
وقالت: "قلت لزوجي، لكن (كيف) سنشتري بيتا وننتقل إلى هنا؟" تخلت عن الفكرة بسرعة بعد أن رأت أنها لن تتمكن من العثور على عمل بسهولة، هناك.
من الناحية الأخرى، لدى زوجها أسباب أخرى للبقاء في موطنه.
ويبرر ذلك بقوله: "لننظر إلى وضع قطاع التكنولوجيا في الصين. عند المقارنة، نصل إلى أن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة - ما بين الأمدين القصير أو الوسيط، لذلك من الأفضل لنا أن تنشأ جوانجوان هنا" وليس على الساحل الغربي المقابل من الباسفيكي.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES