FINANCIAL TIMES

نخبة فرنسا تدفع فاتورة تأهيل تحفة «نوتردام»

في مساء يوم إثنين مُشمس، وصل الضيوف إلى قصر فرساي بالقرب من باريس، للاحتفال بإعادة افتتاح شقق الملكة بعد عملية تجديد دامت ثلاثة أعوام.
بالكاد كانوا قد بدأوا والشعور بالذهول من زخرفة عصر الروكوكو، حيث كانت تعيش ماري أنطوانيت، عندما وصلهم خبر اندلاع حريق في كاتدرائية نوتردام.
سرعان ما انحنى الضيوف على هواتفهم الذكية لمشاهدة التحفة القوطية من العصور الوسطى في وسط باريس وهي تشتعل بالنيران، حيث انهار برجها المشتعل عبر السقف. تقول إليزابيث بونسول دي بورت، التي ترأس جمعية الرفاهية الفرنسية: "كانت لحظة من الحزن والأسى. وكان الجميع يدمعون".
تماما كما لعبت الجهات المانحة من القطاع الخاص دورا حاسما في استمرار ترميم قصر فرساي، كذلك برزت بسرعة لجمع الأموال من أجل ترميم كاتدرائية نوتردام، بعد الحريق في واحد من أكثر المواقع الأثرية والثقافية والسياحية في أوروبا.
في ليلة الإثنين، وقف الرئيس إيمانويل ماكرون أمام الكاتدرائية التي كانت لا تزال تحترق، التي أطلق عليها اسم "مركز حياتنا" للإعلان عن صندوق اشتراك وطني لإعادة بناء كاتدرائية نوتردام.
حتى قبل إطفاء الحريق، وعدت عائلة بينو، التي تُسيطر على تكتل كيرينج بدفع مبلغ 100 مليون يورو من شركة آرتيميس العائلية القابضة.
قال فرانسوا-هنري بينو، رئيس مجلس إدارة شركة آرتيميس: "في مواجهة مثل هذه المأساة، يرغب الجميع في إعادة الحياة إلى جوهرة تراثنا".
بعد ساعات، قالت عائلة أرنو المنافِسة التي يعد مؤسسها برنار أرنو أغنى رجل في أوروبا، إن مجموعته للسلع الفاخرة إل في إم إتش LVMHستمنح 200 مليون يورو لعملية الترميم، وستضع فِرقها الإبداعية والمعمارية والمالية تحت تصرف الدولة.
أنطوان أرنو، الابن الأكبر لأرنو الأب، قال لصحيفة "فاينانشال تايمز": "بصفتنا القائمين على رعاية هذه الأسماء الفرنسية الكبيرة، فإننا نشعر بالمسؤولية. بالنظر إلى كل ما قدمته فرنسا لنا، نحاول رد الجميل عندما يحدث شيء كارثي".
الاستجابة لتجاوز الحريق تُسلط الضوء على الطريقة التي تتغير فيها العلاقة بين الحكومات في أوروبا، والثروة الخاصة في عصر التقشف في الميزانيات، وزيادة عدم المساواة الاقتصادية، والضغوط السياسية الشعبوية.
يقول عزرا سليمان، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة برنستون: "تاريخيا، المساهمات من هذا النوع لم تكُن جزءا من الثقافة الفرنسية، لأنها مثل كل شيء آخر كانت وظيفة الدولة. الآن لا تستطيع الدولة تحمّل تمويل هذه المشاريع، وبالتالي، يجب أن يتدخل القطاع الخاص".
كل من عائلتي بينو وأرنو حققتا ثرواتهما في قطاع السلع الفاخرة، وهو قطاع مُرادف لفخر وتراث: "صُنع في فرنسا".
تبرعاتهما إلى "نوتردام" هي أحدث دليل على الدور الكبير الذي أصبحت تلعبه العائلتان – وهما خصمان قديمان منذ أن فازت عائلة بينو بالمعركة للسيطرة على العلامة التجارية الإيطالية الفاخرة: "جوتشي" قبل 20 عاما – لرعاية الثقافة الفرنسية.
في عام 2014، افتتح أرنو متحف لوي فوتون الذي صممه فرانك جيري، وهو متحف للفن المعاصر في باريس، الذي سيقدم في وقت ما لاحقا هدية إلى المدينة.
ويتم تحويل بورصة التجارة، وهي سوق سابقة للسلع في وسط باريس، إلى متحف يضم أعمالا من مجموعة الفن الضخمة لفرانسوا بينو.
كما أسهم بينو أيضا بمبلغ 3.5 مليون يورو لمنزل هوتيفيل الذي تم ترميمه في جيرنسي، حيث عاش فيكتور هوجو – مؤلف الرواية القوطية الفرنسية الشهيرة: "أحدب نوتردام" – في المنفى.
يقول سليمان إن العائلتين تلعبان دورا في الحياة العامة الفرنسية من النوع الذي لعبه الصناعيون الأثرياء قبل قرن من الزمن.
"عائلة بينو وعائلة أرنو لعبتا دورا رائدا في مجال الأعمال وهما نشطتان في مجال الفنون والأعمال الخيرية، مثل عائلتي كارنيجي وروكفلر في أمريكا في مطلع القرن العشرين".
بحلول منتصف الأسبوع، تدفق أكثر من 800 مليون يورو من التبرعات من فرنسا والخارج.
من بين أكبرها كان مبلغ 100 مليون يورو من مجموعة توتال للطاقة و200 مليون يورو من عائلة بيتنكور مايرز، إلى جانب مجموعة الوريال للمستحضرات التجميلية ومؤسسة العائلة.
كما يُسهم أيضا دافعو الضرائب الفرنسيون، بما في ذلك 50 مليون يورو من مجلس مدينة باريس وعشرة ملايين يورو من منطقة إيل دو فرانس، التي تضم العاصمة.
يقول جان جاريج، أستاذ التاريخ في جامعة أورليانز: "شهدنا ردا تلقائيا للوحدة الوطنية حول هذا الرمز لكاتدرائية نوتردام. ربما يكون الرمز الرئيس لتاريخنا، وثقافتنا، بل حتى هويتنا الفرنسية".
في عرض أزياء في روما لعلامة فيندي التجارية المملوكة في تموز (يوليو) من عام 2016، مشت عارضات الأزياء على المياه، فوق مدرج زجاجي امتد فوق نافورة تريفي الموجودة منذ 300 عام، التي كانت قد أنهت عملية ترميم بقيمة 2.5 مليون يورو مولتها العلامة التجارية الإيطالية الفاخرة.
قيام العلامة التجارية فيندي بإعادة بناء النافورة التي تعود إلى عصر الباروك هو مجرد مثال واحد على كثير من الأمثلة على المجموعات الفرنسية والإيطالية الفاخرة، التي تحتل الصدارة في ترميم الآثار الأوروبية الشهيرة.
يقول ماريو أورتيلي، مستشار قطاع السلع الفاخرة: "العلامات التجارية الفاخرة تهتم بربط صورتها مع الآثار التي هي كنوز للبشرية، وموجودة في أماكن هي من بين أكثر المدن زيارة في العالم".
كما توجد أيضا إعفاءات ضريبية مغرية. في عام 2003، أصدرت فرنسا قانونا يستفيد من خلاله الأفراد والشركات من خصم لا يقل عن 60 في المائة على الهدايا الخيرية.
في إيطاليا، الإعفاءات الضريبية المُعادلة للتبرعات الثقافية المقدمة من الشركات والأفراد تبلغ 65 في المائة.
في الأعوام الأخيرة، دعمت شركة بولجاري تجديد حمامات كاراكالا والأدراج الإسبانية في روما؛ وتبرع رينزو روسي، رجل الأعمال من البندقية ومؤسس "ديزل" العلامة التجارية للأزياء، بمبلغ خمسة ملايين يورو لترميم جسر ريالتو عبر القناة الكبرى في البندقية.
وفي عام 2011، شرع دييجو ديلا فالي، رئيس مجلس إدارة ومالك شركة البضائع الجلدية الإيطالية تودز جروب، في عملية ترميم بقيمة 30 مليون يورو للكولوسيوم في روما.
وقال في ذلك الوقت: "إنه يفعل ذلك بسبب الحب لأحد أهم المعالم الأثرية الإيطالية – الذي يمثل إيطاليا في جميع أنحاء العالم. عندما نكون قادرين على المساهمة، لماذا لا نفعل؟".
التعهد السريع بمئات الملايين من الدولارات لترميم "نوتردام" جاء في الوقت الذي زاد فيه الاستياء من المؤسسة السياسية والنخبة الفرنسية. حركة السترات الصفراء الشعبية التي تزعزع الحكومة منذ تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، هي جزئيا احتجاج على الضرائب المرتفعة وعدم المساواة وتصور أن ماكرون هو "رئيس الأغنياء".
يقول جاريج: "لست متأكدا أن هذا النوع من الأعمال الخيرية سيحظى فعلا بالتقدير من المجتمع الفرنسي. هذه فرنسا متعددة، التي لا يحب بعضها بعضا، والتي يكره بعضها بعضا".
مشاعر الغضب من حركة السترات الصفراء والنقابات العمالية تبعث بسرعة بقدر سرعة تدفق التبرعات إلى صندوق الترميم.
قال بنجامين كوشي، أحد البارزين في حركة السترات الصفراء، في تغريدة: "حكام القلة يقدمون التبرعات لمصلحة نوتردام".
إنجريد ليفافاسور، المحرضة المبكرة للحركة، أدانت "تقصير الشركات الكبيرة عند مواجهة الفقر، بينما تُظهر كيف بإمكانها تعبئة حمولة شاحنة من النقود من أجل نوتردام".
فيليب مارتينيز، رئيس نقابة سي جيه تي CGT، إحدى النقابات العمالية الكبرى قال: "بنقرة واحدة 200 مليون يورو، 100 مليون يورو... إذا كانوا قادرين على منح عشرات الملايين لإعادة بناء نوتردام، فليتوقفوا عن إخبارنا أنه لا توجد أموال لتلبية حالة الطوارئ الاجتماعية".
وإدراكا منها للغضب السياسي، قالت عائلة بينو إنها لن تطالب بمزايا ضريبية هي مؤهلة للحصول عليها. "التبرع لكاتدرائية نوتردام في باريس لن يخضع لأي تخفيضات ضريبية. هذه ليست مشكلة بالنسبة إلى دافعي الضرائب".
كانت "نوتردام" تخضع لعملية إعادة بناء كبيرة في الأصل، قالت وزارة الثقافة في عام 2014 إنها ستكون بكلفة تبلغ 150 مليون يورو. وقد كافح المشروع من أجل جمع النقود.
هذا الأسبوع، تحدث ميشيل بيكو، رئيس الجمعية الخيرية التي تجمع الأموال من أجل صيانتها وترميمها، عن مفارقة أن الكاتدرائية جمعت أكثر من أربعة أضعاف هذا المبلغ خلال الـ 24 ساعة التي تلت الحريق.
وقال لشبكة إن بي سي: "أهمية ترميم هذه الكاتدرائية على مرأى من الجميع، أمر محبط لأن جزءا منها احترق واختفى الآن".
مع ذلك، أعرب عن امتنانه للتبرعات الجديدة. "نحن بالتأكيد بحاجة إلى مساهمة أصحاب المليارات في هذا، لأن العمل الآن ضخم للغاية".
ضخم، لكنه ليس مستحيلا. بعد أن برد الجمر، أصبح واضحا أن معظم الهياكل الحجرية في الكاتدرائية كانت سليمة، النوافذ ذات الزجاج الملون مغطاة بالدخان الأسود، لكنها لم تنكسر، وتم إنقاذ الكنوز والآثار الفنية الرئيسة.
بيد أن الحريق قضى على أخشاب السقف المغطى بالرصاص بطول 100 متر، يعود إلى القرون الوسطى فوق المنصة والممرات، وأدى إلى تحطّم البرج المشتعل من القرن التاسع عشر – حيث كانت هناك سقّالات لأعمال الترميم – عبر السقف الحجري المُقبب.
تعهد ماكرون بإعادة بناء نوتردام خلال خمسة أعوام. وأعلن إدوار فيليب، رئيس الوزراء عن مسابقة معمارية دولية لتصميم يحل محل البرج، وترك المجال مفتوحا أمام احتمال أن التصميم الجديد قد لا يكون مطابقا للقديم أو مصنوعا من نفس المواد. الآن يُركز النقاش على ما إذا كان ينبغي إعادة بناء الكاتدرائية كما كانت بالضبط.
تتمتع فرنسا بسِجل قوي من عمليات الترميم والتحديث الجريئة لمعالمها التاريخية، خاصة تحويل متحف اللوفر في عهد وزير الثقافة الأسبق جاك لانج في الثمانينيات، حيث الأهرامات الزجاجية المحبوبة التي أثارت جدلا ساخنا في باريس، في ذلك الوقت.
مثل ماكرون، يفضل لانج عملية ترميم سريعة لكاتدرائية نوتردام وهو منفتح الذهن حول كيفية استبدال البرج المنهار. وقال لصحيفة "فاينانشال تايمز": "سنجد حلا. لم تدمر الكاتدرائية بأكملها. إنه الخشب في الأساس. وسنجد المال".
بعد خمسة أعوام من الآن، وبعد أكثر من ثمانية قرون من وضع الحجر الأول لجوقة القرن الثاني عشر، لا يوجد سبب للافتراض أنه لن يتم الاحتفال بقداس عيد الفصح مرة أخرى في نوتردام في باريس، مع سقف جديد، يتم تزيينه ببرج جديد على حساب المتبرعين من القطاع الخاص، لتكون مرة أخرى وجهة مفضلة لملايين السياح من فرنسا والخارج.
متحدثا في اجتماع المساهمين السنوي لمجموعة إل في إم اتش LVMH في باريس، قال أرنو الأب إن المجموعة وعائلة أرنو لن يستفيدا أيضا من الإعفاءات الضريبية وهاجم النقاد: "من المزعج للغاية في فرنسا انتقادك حتى عند القيام بشيء من أجل المصلحة العامة". وطلب من المساهمين إظهار دعمهم على وسائل التواصل الاجتماعي شكر "عمل، في كثير من البلدان الأخرى، سنتلقى التهنئة عليه".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES