فوضى الحرب التجارية والمسؤولية الاقتصادية

|


تحذر المؤسسات الاقتصادية العالمية، مثل البنك الدولي، من موجات ركود مفاجئة في المرحلة المقبلة. وهذه التحذيرات ليست جديدة، لكنها تتجدد كل فترة، ولا سيما مع استفحال خلافات التجارة التي اتخذت شكل حروب، كتلك التي نشهدها حاليا بين الولايات المتحدة والصين. والحق، أن هذه الحرب صارت كذلك بعد أن مرت بمرحلة المعارك. وفي الوقت نفسه، هناك خلافات بين الولايات المتحدة وعدد من البلدان المتقدمة بشأن التجارة. صحيح أنها لم تصل إلى مرحلة الحرب، إلا أنها مرشحة لأن تتجه نحوها، خصوصا إذا ما فشلت الاتصالات الراهنة. وأسباب الركود التي قد تحدث كثيرة إلى جانب الحرب التجارية، بما في ذلك اضطرابات التمويل في عدد كبير من البلدان الناشئة. وهذه أيضا نقطة محورية، تنظر المؤسسات الدولية المعنية بعين الاعتبار إليها.
الاقتصاد العالمي يتعرض للتباطؤ، وهذا ليس جديدا أيضا، لكن من المحتمل أن يتوقف نهائيا في الأشهر المتبقية من العام الجاري. النمو "وفق توقع البنك الدولي" سيصل هذا العام إلى 2.6 في المائة، كما أنه توقع انتعاشه في العام المقبل، غير أن بعض المؤسسات العالمية الأخرى ترى إمكانية معاكسة لهذا التوقع، مع عدم وضوح الرؤية في كثير من الأمور، في مقدمتها بالطبع مستقبل العلاقات التجارية الحقيقية بين واشنطن وبكين، والإصلاحات التي يتحدثون عنها في الاتحاد الأوروبي، مع استكمال انسحاب بريطانيا منه، هذا إذا انسحبت فعلا، دون أن ننسى المعارك التجارية القابلة للانفجار هنا وهناك في أي لحظة. وعلى هذا الأساس، ربما وجدنا نموا عالميا متناقصا قبل نهاية العام الجاري.
بالطبع التأثيرات السلبية من موجات الركود المتوقعة ستضرب بالدرجة الأولى البلدان الناشئة. ولهذا السبب، أسرع صندوق النقد الدولي للإعلان عن ضرورة أن تبقي هذه الدول أسعار الفائدة منخفضة لتحفيز اقتصاداتها، ولحمايتها قدر المستطاع من المؤثرات السلبية المشار إليها. ومن الضروري الإشارة هنا، إلى حاجة الدول الناشئة إلى تحقيق قفزات نوعية في مسيرتها الإنمائية، ولا سيما تلك التي وضعت لها الأهداف لإنجازها بحلول عام 2030. واللافت أن هذه الدول تحتاج، وفق البنك الدولي مرة أخرى، إلى أكثر من 2.7 تريليون دولار سنويا لتحقيق أهدافها الإنمائية. وهذه أموال ضخمة بالفعل، في ظل مسار اقتصادي عالمي غير واضح بالضرورة المطلوبة. فعلى سبيل المثال من المتوقع أن تتراجع معدلات نمو التجارة بمستويات كبيرة، وهبوط الثقة بمؤسسات الأعمال.
والوضع، كما هو واضح، ليس ورديا حتى في الدول الأوروبية المتقدمة. ففي بلدان منطقة اليورو من المتوقع أن يتباطأ النمو إلى 1.2 في المائة، منخفضا من 1.8 في المائة. وإذا ما أضفنا الإرباك الحاصل حاليا بسبب مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن بعض الجهات الأوروبية تتوقع انخفاضا أكبر في هذا النمو. الركود المتوقع، يأتي في وقت لم يستطع فيه العالم أن يستكمل احتفالاته في انتهاء آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في عام 2008. ومن هنا، على جميع الحكومات العمل الصادق من أجل حل الخلافات البينية أولا، ودفع الاقتصاد العالمي إلى مستويات مطلوبة لكل الأطراف. فالفوضى لم تأت فقط من جراء الخلافات التجارية، بل هناك فوضى حقيقية في اقتصادات الأسواق الناشئة والبلدان النامية بشكل عام.
المسؤولية كما هو واضح تقع على الجميع دون استثناء.

إنشرها