FINANCIAL TIMES

جامعات تقود النهضة الحضرية .. مانشستر أنموذجا

عندما صعدت نانسي روثويل على متن طائرة مستأجرة لحضور مؤتمر عقاري مرموق في مدينة كان الفرنسية هذا العام، كان الأمر بمنزلة لحظة مؤثرة للمؤسسة التي تديرها.
كانت جامعة مانشستر قد حضرت مؤتمر ميبم Mipim السنوي من قبل، عندما قام الفيزيائي بريان كوكس، أشهر الأكاديميين فيها، بتقديم موضوع عن الجرافين ـ نوع من الكربون له استخدامات صناعية مهمة. لكن هذا كان عرضا عقاريا خالصا، وفوجئت نائبة رئيس الجامعة وهي تجد نفسها واحدة من أبرز الحضور المرموقين.
تقول الليدي نانسي: "كنا نظن أنه سيكون هناك كثير من الاهتمام.. لكنني لم أتوقع منهم جميعا الوقوف على جوانب الغرفة. فوجئت بعدد الحضور. صناديق الثروة السيادية، صناديق التقاعد الدولية.. هؤلاء يمثلون مؤسسات كبيرة فعلا".
المشروع الذي تبلغ تكلفته 1.5 مليار جنيه، المعروف باسم ID Manchester، سيحول حرما جامعيا مركزيا باهتا إلى مبنى باهر، يشتمل على مبان سكنية ووحدات تجارية ومستأجرين متعددي الجنسيات. في مدينة كان، كانت ترجو العثور على شريك للمساعدة في تطوير "منطقة ابتكار رائدة"، كانت قد رسمتها أول مرة على منديل في حفل عشاء.
مانشستر التي كانت معروفة فيما مضى باسم كوتونوبوليس (مدينة القطن) بسبب ازدهار صناعة المنسوجات فيها في القرن التاسع عشر، هي واحدة من كثير من المدن في شمال المملكة المتحدة التي تضررت من تراجع التصنيع.
الجامعة الآن تساعد المدينة على إعادة ابتكار نفسها كموقع تجاري للقرن الـ21. الجامعات التي كانت فيما مضى معزولة عن الضغوط المالية، هي في مقدمة أفق مانشستر المتغير، حيث الرافعات والزجاج يتنافسان مع المباني الصناعية المهجورة المصنوعة من الطوب الأحمر.
في جميع أنحاء البلدان المتقدمة الأنموذج الحضري الذي يرتكز على التعليم، بدلا من السلع، يضرب الآن بجذوره في الأرض، باستلهام من مثال أمريكي. في المملكة المتحدة، يوفر النهج موازنة ناشئة لهيمنة لندن على الاقتصاد القائم على الخدمات.
مانشستر هي أوضح صورة لهذا المجمع الصناعي التعليمي الجديد. تعمل جامعاتها كمغناطيس للشباب، وتجذب الاستثمار، وتجد نفسها متشابكة بشكل متزايد مع الشركات التي توظف خريجيها وتستخدم أبحاثهم بشكل مربح. تضم المدينة واحدا من أكبر التجمعات السكانية للطلاب في أوروبا، بما في ذلك جامعتا مانشستر ميتروبوليتان وسالفورد.
يقول ريتشادر ليز، رئيس مجلس المدينة خلال الأعوام الـ23 الماضية: "التعليم هو صناعة في هذه المدينة، وصناعة مهمة".
في مدينة معروفة بأندية كرة القدم والموسيقى الشعبية، لكنها لم تنس حتى الآن صدمة الركود في الثمانينيات، فإن إغراءات هذا النهج الجديد واضحة: وظائف واستثمار وأفكار. لكن في الوقت الذي تزدهر فيه مانشستر وتنتقل جامعاتها بشكل أعمق إلى عالم التجارة غير المألوف، بدأت مخاطر جغرافيتها الحضرية الجديدة بالظهور.
قبل مدينة كان، الليدي نانسي، عالمة الفيزيولوجيا الآتية من ريف لانكشاير والحاصلة على وسام، قامت برحلة أخرى. هذه المرة، الوجهة كانت بوسطن، ماساتشوستس، والهدف كان البحث الميداني.
تم إبراز كيندال سكوير، القريب من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في تقرير معهد بروكينجز لعام 2014 باعتباره منشأة تمثل أفضل تمثيل لأنموذج "المرساة زائد" – وهو نهج معين نحو "تسويق الابتكار".
تشكل الجامعات مصدرا مثاليا للاستقرار لمدينة حديثة طموحة. كتب معهد بروكينجز أن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا دائما ما يؤكد الشراكات بين الجامعات والصناعة. منذ الخمسينيات، كان المعهد يعمل "بنشاط في تطوير الأراضي المملوكة للجامعة لدعم هذا الهدف".
الأرض التي سوف تستخدم لمشروع ID Manchester مملوكة أيضا للجامعة. وتضم "مبنى شارع ساكفيل" المدرج في البورصة، وهو مجموعة من الأبراج أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية ومبنى ماسدار الذي بقيمة 60 مليون جنيه، وهو مبنى أسود أنيق متخصص في الجرافين وبتمويل مشترك من حكومة أبو ظبي. يشار إلى أن الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء في الإمارات العربية المتحدة، اشترى نادي مانشستر سيتي لكرة القدم في عام 2008.
تتوقع الجامعة نقل الأرض إلى مشروع مشترك بعقد إيجار مدته 250 عاما، مقابل حصة أسهم. أحد عوامل الجذب، للمستثمرين، هو المشاركة المستمرة للجامعة، التي لديها علاقات مع قائمة طويلة من الشركات الكبرى.
بالقرب من ذلك المكان، على شارع أكسفورد في المدينة، يوجد مشروع مماثل قيد التنفيذ. برونتوود، شركة محلية للتطوير العقاري، تعمل على موقع كانت تشغله في السابق شبكة BBC وقد أمنت شركة هيوليت باكارد مستأجرا. الشركة الأمريكية نقلت برنامج الدراسات العليا للمبيعات الخاص بها إلى مانشستر.
نمت شركة برنتوود بسرعة خلال التسعينيات عندما قام مؤسسها، مايكل أوجليسبي، وابنه كريس بتجديد مجمعات المكاتب القديمة وتأجيرها مقابل أرباح. لكن شركة برونتوود الآن في طليعة النظام البيئي الذي يغذيه التعليم في المدينة. إلى جانب الجامعة، هي مساهم مشترك في "مانشستر لشراكات العلوم"، وهي حاضنة للشركات الجديدة.
"كثير مما تريد الجامعة تحقيقه من مشروع ID Manchester هو ما كنا نحاول تحقيقه بالأصل"، كما يقول فيل كيمب، الرئيس التنفيذي لمشروع SciTech التابع لشركة برونتوود، وهو مشروع مشترك مع شركة التأمين، ليجال آند جنرال، الذي يهدف إلى بناء "شبكة من مناطق الابتكار المزدهرة" وسيستثمر 360 مليون جنيه على مدى عقد من الزمن.
يضيف: "نريد تكرار هذا الأنموذج في كل مكان"، مبينا أن شركة برونتوود تجري محادثات مع مدن أخرى. "لن نذهب إلى مكان لا تكون الجامعة في صميمه".
هذا الأنموذج مدعوم بحماس من قبل الحكومة المحلية في مانشستر. يقول السير ريتشارد إنه عندما تولى منصب رئيس مجلس المدينة في عام 1996، كانت الجامعات البريطانية لا تهتم كثيرا بالمجتمعات المحيطة بها. "إذا كان لديها اهتمام من أي نوع، كانت تحب بناء جدار حول نفسها. الآن، الأمر عكس ذلك". هذا صحيح في أنحاء المملكة المتحدة كافة، حيث تلجأ الجامعات إلى مصادر بديلة من الاستثمار بسبب انخفاض التمويل الحكومي المباشر.
السير ريتشارد، المقتنع بأن الجامعات بحاجة إلى "كتلة حرجة"، شجع جامعة مانشستر التي تكثر فيها كليات الآداب والفنون على الاندماج مع معهد العلوم والتكنولوجيا في جامعة مانشستر في عام 2004. مثل الليدي نانسي، يشير أيضا إلى أماكن مثل كيندال سكوير في بوسطن باعتبارها من شاكلة أنموذج "اللولب الثلاثي" الذي يجمع بين القطاع الخاص والحكومة والجامعات. الأرض المهجورة التي أخليت بعد التراجع الصناعي في المدينة، توفر فرصا للتطوير.
يقول السير ريتشارد: "إذا تجولت في شرقي مانشستر الآن، سترى مساحات شاسعة من الأراضي الفارغة. هذه كانت مواقع للمصانع".
مبنى سوبويركس في سالفورد كان ينتج في السابق معجون الأسنان والمنظفات وسائل الجلي على نطاق واسع. حتى وقت إغلاقه في عام 2004، كان يصنع أكثر من مليون منتج يوميا.
وهو الآن المقر الجديد لشركة TalkTalk، أول شركة في مؤشر فاينانشيال تايمز 250 تنقل مكتبها الرئيس إلى مدينة مانشستر الكبرى. يتم إحياء ذكرى الآلات الصناعية القديمة في صور فوتوغرافية باللونين الأبيض والأسود على الجدران، لكن المساحات الداخلية الآن تضم طاولات التنس ومنصات الألعاب. يمكن رؤية الرافعات وسط مانشستر من الشرفة.
دانييل كاسمير، رئيس الموارد البشرية البريطانية في الشركة، يحدد قطاع التعليم على أنه سبب حاسم لهذه الخطوة. يقول: "لدينا أكبر عدد من السكان الطلاب في أوروبا هنا ومجموعة ضخمة من المواهب". شركة TalkTalk تعمل عن كثب مع جميع الجامعات المحلية الثلاث، وتعتزم البدء في تنفيذ خطط مع الطلاب تتضمن العمل لمدة عام في الصناعة.
مزيد من الشركات تتدفق على مانشستر. هذا العام تفتتح شركة أمازون أول مركز تجاري لها في المملكة المتحدة خارج لندن في المدينة، ما يوفر 600 وظيفة. دوج جور، مدير المملكة المتحدة لمتجر التجزئة عبر الإنترنت، يشير إلى عدد الخريجين الذي يبقون في المدينة.
العلاقة الوثيقة بين الشركات الخاصة والجامعات واضحة أيضا في حرم "مانشستر لشراكات العلوم". نحو 160 شركة تستأجر مكاتب في أنحاء مواقعها كافة.
روينا بيرنز، الرئيسة التنفيذية، تقول إن ترتيب شركة برونتوود مع الجامعة "مدفوع من الاعتقاد أنك تستطيع دمج المصالح التجارية مع المصالح العامة". وهو يوفر مساحات يمكن "إجراء اجتماعات غير مخططة فيها، حيث يجتمع المعلمون والصناعيون ويختلطون". كما يتعلق الأمر أيضا بإنشاء شبكة عالمية للجهات الأكاديمية والشركات. وتقول إن عضو الشركة المنتدب عاد للتو من زيارة خارجية ومعه أربع مبادرات.
تضيف: "ما يمكننا القيام به مع بوسطن وإندهوفن ومدن أخرى في أنحاء العالم كافة يهمني أكثر بكثير من اهتمامي بما سيحدث في المستقبل، في مدن نظيرة في المملكة المتحدة".
هناك جانب آخر لخطوة شركة TalkTalk. أغلقت الشركة مكاتب في وارنجتون، تشيشاير، وقلصت العمليات في إيرلام، مانشستر الكبرى، حيث نقلت 1300 عامل إلى المدينة. في الوقت الذي يتجمع فيه النشاط في وسط مانشستر، تفرغ المناطق المحيطة بالمدينة. من أحدث معلومات الإحصاء السكاني، عدد السكان الذين تراوح أعمارهم بين 25 و34 عاما زاد بواقع 47 ألف شخص بين عامي 2001 و2014 في الأحياء الحضرية لمدينتي مانشستر وسالفورد، بينما هو ينخفض في الأحياء الخارجية الثمانية للمدينة.
تمارس الجامعات تأثيرا قويا على صعيد الهجرة. تشارلي بول، رئيس استخبارات التعليم العالي في "جراديويت بروسبكتس" Graduate Prospects، وهي مؤسسة للحياة الوظيفية، يقول إن سوق العمل للخريجين المهرة في المملكة المتحدة "تتركز في المدن الكبيرة".
يأتي كثير من الخريجين من البلدات القريبة، ومن الأرجح أن يستقروا في الأماكن التي درسوا فيها. يقول: "نريد التفكير فيما إذا كانت المدن الكبيرة بشكل أساسي تمتص العاملين الموهوبين والمهرة من المناطق المحيطة. إلى حد ما، تعمل مانشستر في الشمال الغربي ما تفعله لندن في (كامل) إنجلترا".
في المملكة المتحدة، نصف الشباب لا يلتحقون بالتعليم العالي. ليزا ناندي، عضو البرلمان من حزب العمال عن ويجان في مانشستر الكبرى، تعتقد أن المدينة تزدهر على حساب البلدات المحيطة بها، وإن محنة تلك البلدات تغذي صعود الشعبوية. البلدات تصبح أقدم، وفقا لبحث من "مركز البلدات"، وهو مؤسسة فكرية ساعدت ناندي في تأسيسها، وهي تربطها جزئيا بحملة الحكومات (المحلية) لجعل مزيد من الشباب يلتحقون بالجامعة.
تقول "الشباب الذين بإمكانهم المغادرة واغتنام تلك الفرصة للذهاب إلى العمل أو الدارسة سيفعلون ذلك. لكنهم وجدوا على نحو متزايد أنه لم يكن هناك شيء يعودون إليه في الوطن".
هولي ماديلي (27 عاما)، تنحدر من هاديرسفيلد في يوركشاير، درست علم أحياء الخلايا في جامعة مانشستر. وتعمل الآن في شركة YourGene، التي مقرها في المدينة العلمية في مانشستر. لكن السكن مشكلة. تقول: "حتى (مع) وجود راتبين مشتركين، لا نكسب ما يكفي للحصول على منزل مكون من غرفتي نوم. إذا أردت إنجاب الأطفال، فأنت تريدهم أن يلعبوا في إحدى الحدائق".
بعض من أشد منتقدي نهج المدينة "المدفوع بشركات التطوير العقاري" موجودون في الجامعة. البروفيسور كاريل ويليامز، من كلية أليانس مانشستر للأعمال، يرى أن عدم استدامة نهج المدينة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية سينكشف قريبا.
يقول: "الرافعات في الأفق تشير إلى الإفراط في البناء الذي يهدد بحدوث انهيار في الأسعار خلال الركود الاقتصادي المقبل".
من خلال مشروع ID Manchester، ستحصل الجامعة على حصة في السكن في المدينة، فضلا عن مجمعات مكاتب. مزيد من خريجيها يقيمون في المدينة؛ وقد يستأجرون بالقرب من المركز، ويعملون لمصلحة الشركات نفسها التي تدفع الإيجار إلى جامعتهم الأم.
"هذا الموقع يتعلق بنا. ماذا نريد لأنفسنا، ماذا نريد للمدينة، لأنه إذا ازدهرت المدينة، سنزدهر"، كما تقول الليدي نانسي، التي تحذر من أن الجامعات لا بد لها أن تتجنب أيضا أن تصبح "شركات من الدرجة الثانية". وتضيف: "نحن لسنا من أصحاب التخطيط الرئيس على الأمد الطويل، ولسنا شركات للتطوير العقاري. نحن نشعر فقط أننا بحاجة إلى شريك لديه خبرة حقيقية في ذلك".
بجانب موقع مشروع ID Manchester تماما، يوجد مبنى سكني تابع لشركة يونايت Unite للسكن الجامعي، يضم كثيرا من الطلاب. وهو بالقرب من محطة مايفيلد للسكك الحديدية المهجورة، التي سيتم تجديدها قريبا، وهي المكان الذي كانت تذهب منه القطارات في السابق إلى بلدات قريبة مثل ويلمسلو. قبل 30 عاما كان هناك 500 شخص فقط يعيشون في مركز المدينة، وفقا للسير ريتشارد، مقارنة بعشرات الآلاف اليوم. مركز المدينة الصاخب يأتي مع كثير من الضغوط. بالنسبة للقادة المحليين لا بد أنه يقارن بالركود في الثمانينيات. يقول السير ريتشارد إن المدينة "لا تزال تتعافى".
ويضيف: "حتى الآن لم نعد إلى عدد السكان الذي كان لدينا في عام 1971. الحياة الحضرية أصبحت وضعا دائما، وليست مرحلة عابرة".
لكن في مانشستر، من الصعب تجنب الماضي. مبنى شارع ساكفيل، وهو مبنى ضخم تم افتتاحه في عام 1902، يتمتع بشعبية خاصة لدى المستثمرين الذي زاروا الموقع من قبل. وهو جزء واحد من الحرم القديم الذي لن يتم هدمه. اللوحة تظهر التقدير لشريحة من التاريخ التعليمي في المدينة: معهد الميكانيكا القديم. رئيسه الأول، بنجامين هايوود، لم يكن، بالمعنى الدقيق للكلمة، رجل علوم أو فنون، بل كان مصرفيا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES