FINANCIAL TIMES

بريطانيا عالقة في متاهة «بريكست»

يكفي. يجب على بريطانيا أن تتخذ قرارا بشأن بريكست. سواء كان القرار الخروج دون اتفاق، أو باتفاق تم إحياؤه مجددا، أو إجراء استفتاء آخر لتسوية القضية، لا يمكن للأمة أن تظل عالقة في عالم سفلي كئيب محصور بين البقاء والرحيل. عيد الهالوين، الموافق لـ 31 تشرين الأول (أكتوبر)، هو الموعد النهائي.
صحيح بما يكفي أن بريطانيا جعلت نفسها أضحوكة على الساحة الدولية. من الواضح أيضا أن عدم اليقين يستنزف قوة الاقتصاد. لكن كلما نظرت بإمعان صعب عليك تعيين المسار الذي يخرجها من حالة التيه الحالية. الأمة منقسمة والبرلمان مشلول. يبدو الجمود فجأة أنه القوة الأعظم.
بوريس جونسون يقول خلاف ذلك. المرشح الأوفر حظا في السباق المزدحم لخلافة تيريزا ماي لديه خطة. صديقه بيرتي ووستر يقر بأنها خرقاء. سيتوجه رئيس الوزراء، جونسون، إلى بروكسل مع قائمة من المطالب. جونسون الذي نصب نفسه وريثا لونستون تشرشل سيذكر أولئك الأجانب بأن بريطانيا ربحت الحرب. سيتم رفع الراية البيضاء فوق مبنى بيرلايمونت (مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل). وسيعود جونسون إلى لندن وهو يحمل كعكة كبيرة جدا.
الاستراتيجية معقدة أكثر بعض الشيء مما يمكن العثور عليه في صفحات روايات بي جي ودهاوس. أكد جونسون لزوار مكتبه في ويستمنستر أنه سيزور باريس ودبلن أولا. وسيقنع الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإيرلندي، ليو فارادكار، بالخضوع. لن يكون أمام بروكسل أي خيار سوى إعادة كتابة الفصل الإيرلندي في صفقة الانسحاب.
هذا خيال على نسق ادعاء جونسون قبل فترة أن ميشيل بارنييه وفريقه المكلف بملف بريكست سيتيحون لبريطانيا أن تحتفظ بكعكتها وتأكلها في آن معا. علينا ألا نفاجأ. خلال فترة توليه منصب وزير الخارجية، أفاد مسؤولون بأن رد فعل جونسون على الحقائق المزعجة كان تغطية أذنيه بيديه ودندنة النشيد الوطني.
الوعد الأخير أنه بالتهديد بعدم التوصل إلى صفقة سيضمن بالضبط تسوية من قبيل الاستفادة من وضعين متناقضين يبدو مهزلة واضحة. دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 ليست على وشك تغيير رأيها بشأن جوهر اتفاقية الانسحاب. في الحقيقة مخطط جونسون لا يعدو أن يكون تعهدا بأن بريطانيا ستخرج في تشرين الأول (أكتوبر).
في العالم الحقيقي، شهدت السنوات الثلاث الماضية استقطابا وطنيا يعمل مولدا للشلل السياسي. لا ينبغي لأحد أن يحزن لسقوط ماي. نهجها في المفاوضات، المتصلب وغير الملائم في الوقت نفسه، أعلى محاولة تجنب انقسام الحزب المحافظ فوق أي تدبير موضوعي للمصلحة الوطنية. أنصار البقاء كان يتم احتقارهم. ربما تكون قد نجت دون عقاب. لكنها أهدرت أغلبيتها في انتخابات عامة أسيء تقديرها بشكل سيئ.
في حين صوتت بريطانيا بهامش ضئيل لمغادرة الاتحاد الأوروبي، الشيئان الوحيدان اللذان وافق عليهما البرلمان حتى الآن هما أن صفقة ماي غير مقبولة، وأن بريطانيا يجب ألا تخرج دون تسوية. زعيم حزب العمل، جيريمي كوربين، يتحمل جزءا من اللوم لأنه مارس لعبة غير موفقة تماما. لكن ماي هي التي أعلنت أن عملية "خروج بريطانيا" هي ملكية لحزب المحافظين.
جونسون ليس الوحيد بين المنافسين على قيادة حزب المحافظين في الدعوة إلى القطيعة الكاملة. نجاح حزب بريكست برئاسة نايجل فاراج في انتخابات البرلمان الأوروبي جعل كثيرين يتدافعون نحو شواطئ القومية الإنجليزية الأكثر جموحا. لكن حزب المحافظين لا يزال لديه عدد من الذرائعيين العاقلين، ومع جون بيركو لدى مجلس العموم رئيس مصمم على ضمان عدم إسكات صوت المجلس. وهذا يجعل من الصعب معرفة كيف سيتمكن أصوليو "بريكست" من تأمين الأغلبية.
الاحتمال الآخر، بطبيعة الحال، هو أن صبر ماكرون سينفد وأن دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 ستجتمع في تشرين الأول (أكتوبر) بشأن السياسة الفرنسية المتمثلة في رفض تمديد الموعد النهائي. بعد الأوهام والازدواجية التي تميزت بها استراتيجية التفاوض البريطانية، يمكنك أن ترى لماذا يمكن أن تكون مشاعر إحباط ماكرون مشتركة. لكن هل سيتحول ذلك إلى نهج يعني إخراج بريطانيا؟ أشك في ذلك.
بعد ثلاث سنوات من التصويت في الاستفتاء، لا يزال من الصعب استيعاب حقيقة أنه حتى قرار مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يمكن أن يدفع الأمة إلى مثل هذه الفوضى الجامحة. منقسمة في الداخل ومستنزفة في الخارج، تواجه بريطانيا الآن عقدا ضائعا. ديفيد كاميرون، سلف ماي وصانع الفوضى، يضع اللمسات الأخيرة على سيرته الذاتية. ماذا سيقول يا ترى؟
لدى الاتحاد الأوروبي شواغل أخرى. انتخابات ستراسبورج تستعرض تغييرا في الوظائف العليا في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك رؤساء المفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي، والمجلس الأوروبي، إضافة إلى رئيس البنك المركزي الأوروبي. سيأتي تشرين الثاني (نوفمبر) قبل أن تعود الأمور إلى طبيعتها.
لذلك على الأرجح سيتم تمديد الموعد النهائي لخروج بريطانيا. ثم ماذا؟ حسنا، ستظل شريحة كبيرة من سكان المملكة المتحدة غير سعيدة بشكل صاخب. سيتهمون الجميع دون استثناء بتخريب الديمقراطية. لكن كلما أصبحوا أكثر ضجيجا وكلما بعدنا عن عام 2016، بدا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أكثر غرابة بالنسبة لجمهور أوسع. كم سيمضي من الوقت قبل أن يحصن فاراج نفق القناة بينما تتحدث الأمة عن التعليم والصحة والضرائب والجريمة؟
باستثناء الاستفتاء، فعل لا شيء يبدو بشكل أكثر مثل الخيار الافتراضي. من الأفضل ترك المعركة دون تسوية والتحدث عن شيء آخر بدلا من إعادة فتح الجروح القديمة باستمرار. عالم النسيان ربما لا يكون مكانا رهيبا عندما يكون البديل هو جحيم بريكست.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES