FINANCIAL TIMES

رهانات الغرب في الصين تتساقط واحدا بعد آخر

في الولايات المتحدة وأوروبا، عام 1989 هو مرادف لسقوط جدار برلين. لكن كانت هناك نسختان من عام 1989. قبل خمسة أشهر من سقوط الجدار دخل الجيش الصيني ساحة تيانانمن وسحق الحركة المؤيدة للديمقراطية. الذكرى الـ30 لهذا الحدث الدامي تصادف هذا الأسبوع.
عند مشاهدة ذلك من الغرب في ذلك الوقت، بدت الأحداث الدرامية في برلين أكثر أهمية على المستوى العالمي مما حدث في بكين قبل خمسة أشهر. كانت الصين مجرد بلد واحد، وإن كانت بلدا كبيرا، وكانت لا تزال فقيرة ومتخلفة. كان الاتحاد السوفياتي هو القوة العظمى الثانية خلال الحرب الباردة، وكانت الإمبراطورية السوفياتية قد انهارت للتو. انتهت الحرب الباردة. وفاز الغرب. وفازت الديمقراطية. في المدى الزمني الكبير للتاريخ، من المؤكد أن برلين أكثر أهمية من بكين.
بعد مرور 30 عاما يبدو هذا الحكم مشكوكا فيه. الآن يبدو من الممكن أن يستنتج مؤرخو المستقبل أن أهم حدث في عام 1989 كان سحق انتفاضة تيانانمن، وليس سقوط جدار برلين. لقد كانت مظاهرات ساحة تيانانمن هي التي أمّنت قبضة الحزب الشيوعي الصيني على السلطة، ما يضمن أن القوة الصاعدة في القرن الـ21 ستكون استبدادية وليست ديمقراطية.
الاستبداد الصيني لم يعد يبدو شيئا شاذا. الانتشار العالمي للديمقراطية – الذي بدا لا يقاوم في التسعينيات - سلك الاتجاه المعاكس. أحدث تقرير لمنظمة فريدوم هاوس التي تراقب الحرية السياسية في جميع أنحاء العالم، يعطي صورة بائسة. في شباط (فبراير) لاحظ التقرير أن عام 2018 يمثل "العام الـ13 على التوالي من انخفاض الحرية العالمية"، مضيفا أن "هذا النمط متسق ومشؤوم. الديمقراطية في تراجع".
بعد سقوط جدار برلين كان المفكرون الغربيون ينتجون أعمالا كثيرة حول انتصار الديمقراطية الليبرالية، مثل مقالة فرانسيس فوكوياما الشهيرة "نهاية التاريخ"، التي نُشرت لأول مرة في صيف عام 1989، ثم تحولت لاحقا إلى كتاب. اليوم، الكتب السياسية الأكثر مبيعا لها عناوين مثل "عن الطغيان" و"كيف تموت الديمقراطيات".
هذا الخوف على الديمقراطية يرتبط في كثير من الأحيان بأحداث في الغرب نفسه - خاصة انتخاب دونالد ترمب - أكثر من التطورات في الصين. لكن التغيير في المزاج الفكري يمثل أيضا اعترافا ضمنيا بأن الصين حققت ما بدا مستحيلا لمعظم المفكرين الغربيين في عام 1989.
في النشوة التي أعقبت سقوط جدار برلين كان إجماع النخبة في الغرب هو أن سقوط الاتحاد السوفياتي أثبت أن الأنظمة الاستبدادية لم تنجح اقتصاديا. لذا، إما أن تصبح الصين دولة ديمقراطية، أو تفشل اقتصاديا. كانت كلتا النتيجتين متوافقة مع الهيمنة المستمرة لليبرالية الغربية.
لكن الصين أثبتت أن النظرية خاطئة. بقيت دولة ذات حزب واحد، لكنها استمرت في الاندفاع اقتصاديا وأصبحت في عام 2014 أكبر اقتصاد في العالم "مقاسا بالقوة الشرائية".
عزز هذا التفسير الصيني الرسمي لعام 1989. كان الحزب الشيوعي يجادل دائما بأن مفتاح النمو والازدهار في الصين ليس الديمقراطية بل الاستقرار. أصبح هذا هو المبرر الرسمي لسحق انتفاضة تيانانمن. وعلى الرغم من أن هذه الحجة من الواضح أنها نفعية وغير أخلاقية، إلا أنها ليست تافهة بشكل واضح "على عكس معظم الدعاية السوفياتية".
كانت قدرة الصين على الازدهار في عصر المعلومات مفاجأة أخرى بغيضة للمنظرين الليبراليين الغربيين. عزز ظهور "الإنترنت" قناعة الغرب بعد عام 1989 بأن دولة الحزب الواحد في الصين تعيش في الوقت الضائع. إذا كان مفتاح التقدم الاقتصادي الآن هو التدفق الحر للمعلومات فقد بدا أن الصين واجهت خيارا - كان عليها إما الانفتاح أو الركود اقتصاديا.
لكن الأحداث قوضت هذه النظريات الواثقة. ازدادت الصين ثراء بشكل مطرد، لكن النظام السياسي الصيني أصبح أكثر، وليس أقل، استبدادا. في الوقت نفسه، نما إدراك فظيع بأن "الإنترنت" ووسائل التواصل الاجتماعي قد لا تكون أدوات التحرر السياسي التي تم تصورها خلال سنوات كلينتون وأوباما. نجحت الصين في بناء "جدار ناري عظيم" على "الإنترنت"، وحجبت مواقع مثل جوجل وفيسبوك. لكن هذا لم يمنع صعود عمالقة التكنولوجيا الصينية الناجحة والمبتكرة، مثل شركتي علي بابا وتينسنت - بالعكس، ربما ساعدتها.
وفي الوقت نفسه، قدرة الصين على مراقبة مواطنيها من خلال أنشطتهم عبر "الإنترنت" واستخدام أدوات جديدة - مثل تكنولوجيا التعرف على الوجه - استحضرت كابوسا لدولة أورويلية "مفهوم يعبر عن حالة الأنظمة السياسية المتسلطة التي تستخدم المراقبة والتجسس" ناجحة، قادرة على مكافأة مواطنيها أو معاقبتهم على أساس مراقبة "الإنترنت" واستخدام الذكاء الاصطناعي.
أدى استمرار صعود الصين الاستبدادية إلى انعكاس كبير في التفكير الغربي. تبني الغرب للعولمة والتجارة مع الصين لم يكن مجرد قرارا اقتصاديا. بل كان يعكس تقديرا سياسيا بأن العولمة ستكون بمنزلة أداة للقيم السياسية الغربية. لخص جورج دبليو بوش هذه الحكمة التقليدية، عندما قال قبل انتخابه رئيسا للولايات المتحدة في عام 2000 "إذا تاجرنا بحرية مع الصين، سيكون الوقت في صالحنا".
من خلال شن حرب تجارية على الصين، يشير ترمب إلى أنه يعمل على الافتراض المعاكس "إذا تاجرنا بحرية مع الصين، فسيكون الوقت في صالحهم".
إنها وجهة نظر مظلمة بكثير، لعصر مظلم أكثر.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES