النفط وثقة العالم بالسعودية

|


منذ تصاعد وتيرة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والأسواق العالمية تشهد اضطرابا شديدا، وظهرت أشد آثاره وطأة في شهر أيار (مايو) الماضي، فقد خسرت الأسواق العالمية أكثر من ثلاثة تريليونات دولار، ويأتي التفسير الرئيس خلف هذا التراجع من المخاوف الشديدة حول تباطؤ الاقتصاد العالمي، وهو الأمر الذي حذر منه صندوق النقد الدولي في آخر تقاريره، وأشار إلى التأثير السلبي للصراع التجاري القائم حاليا، والمخاوف من تحوله إلى حرب تجارية، مطالبا كل الأطراف بتخفيف حدة التوتر والوصول إلى حلول عادلة بشأن هذا الصراع.
فهذا التباطؤ في الاقتصاد العالمي منشؤه الرئيس هو تصاعد حدة الرسوم البينية، بعد أن رفعت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على الصين ثم أتبعتها بالرسوم على الهند، والمكسيك، وغيرهما من الدول، وردت الصين بالوتيرة نفسها وصعدت من الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية، وجاءت استجابة الأسواق العالمية سريعة لهذه الرسوم في صورة توقعات سلبية عن تقلص حجم التجارة العالمية وبالتالي نمو الاقتصاد العالمي، وهذا بدوره يؤثر في أرباح الشركات وقدرات الدول على تحصيل ضرائب ودفع المستحقات على السندات، ولهذا تراجعت الأسواق بحدة، وقد امتد الأثر ــ كما هو متوقع ــ إلى أسعار النفط، حيث تراجعت الأسعار بحدة في شهر أيار (مايو)، ووصلت إلى أقل من 60 دولارا، ومع تزامن هذه الآثار السلبية للصراع التجاري العالمي بارتفاع المخزونات الأمريكية من النفط، وهو الذي يشكل خللا في التوازن بين العرض والطلب، ونتيجة لكل ذلك تراجعت أسعار النفط في مستويات تراوح بين 2 و5 في المائة في الجلسة والواحدة.
وهذا التراجع السريع، وبهذا الاتجاه، يرسم صورة تشبه تلك الانهيارات، التي عمت الأسواق عام 2014، ولهذا أكدت وزارة الطاقة السعودية أنها تراقب الأسواق من كثب.
لقد كان لهذا البيان أثر إيجابي في الأسواق، حيث استطاعت التماسك حول سعر 60 دولارا، وبحسب "رويترز"، بلغت العقود الآجلة لخام القياس العالمي "برنت" لشهر أقرب استحقاق 62.48 دولار للبرميل مرتفعة 49 سنتا أو 0.79 في المائة، مقارنة بسعر إغلاق الجمعة، وانخفضت الأسعار ما يزيد على 3 في المائة يوم الجمعة، مع تسجيل أيار (مايو) أسوأ خسارة شهرية في ستة أشهر. وبلغت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 53.95 دولار للبرميل مرتفعة 45 سنتا أو 0.84 في المائة. وتم تقليص فرص العودة إلى مسار انهيار 2014، والاستجابة السريعة من الأسواق للتصريحات السعودية تأتي من الثقة الكبيرة بقدرة المملكة على إصلاح خلل العرض بسرعة كافية، فالأمور لم تعد كما كانت عام 2014، فالمملكة استطاعت توحيد كلمة المنتجين تحت مظلة "أوبك+"، كما منحت الأسواق الثقة بالقرارات من حيث إن الجميع لم يخرق الاتفاقيات أثناء ارتفاع وتيرة السوق، وحافظ الجميع على مستويات الإنتاج للحفاظ على النمو العالمي، كما أن المملكة استطاعت ترتيب السوق النفطية بعد انهيارات 2014، والعودة للصعود في وقت كانت أفضل التوقعات تشير فيه إلى انهيار "أوبك"، فإذا "أوبك" قد أصبحت "أوبك+"، فماذا لدينا اليوم؟
وأشارت السعودية إلى أن منظمة «أوبك» وروسيا ستواصلان إدارة إمدادات الخام العالمية لتجنب وجود فائض. مثل هذا النص لم يكن ممكنا قبلا، حيث كان النقاش والعمل الجماعي بين "أوبك" ومجموعة المنتجين خارجها بعيد المنال، لكن الآن، فإن التفاهمات تجري من خلال لجان تنسيقية، ولجان رقابية، فقد تمت حوكمة القرار في السوق النفطية بطريقة تجعل الجميع يأخذ هذه التصريحات على محمل الجد، ولهذا فإنه من المتوقع أن يتم تخفيض الإنتاج العالمي من النفط للوصول إلى أسعار عادلة للجميع، تضمن إمدادات نفطية تسهم في خروج العالم من التباطؤ أو تخفف آثاره، وتضمن للمنتجين عدم التورط في صراع تجاري على حصص الإنتاج وأيضا تدفقات نقدية كافية لتمويل المشاريع وخطط التنمية.
وهنا بالذات علينا الوقوف وتسليط الضوء على الدور الكبير، الذي لعبته المملكة وأيضا روسيا في حوكمة القرار العالمي بشأن أسعار وإمدادات النفط، وهو الأمر الذي فقدته الأسواق العالمية لعقود كثيرة، ولكن هذه التجربة الفريدة لم تأخذ حقها من التعميم، حيث إنها قادرة على حل النزاعات التجارية والصراع القائم قبل توريط العالم في مزيد من التباطؤ ستظهر آثاره السلبية على الدول الأقل نموا أو الدول المتعثرة في سداد ديونها.

إنشرها