الاتصالات «عريضة النطاق» .. تمكين للتحول الرقمي

|


البنية التحتية أو البنية الأساس Infrastructure لأي دولة هي معيار مهم من معايير قدرة مجتمعها على أداء الأعمال والنشاطات المختلفة في شتى المجالات؛ كما أنها كذلك، فيما يتعلق بطبيعة حياة المجتمع ورفاهية الإنسان. البنية الأساس هي شبكات النقل بمختلف أشكاله، وشبكات الكهرباء، وشبكات الاتصالات بشتى أنواعها، وشبكات المياه، وشبكات الصرف الصحي، حيث يستطيع كل إنسان نيل ما يحتاج إليه من خدماتها، والاستفادة منها، سواء في عمله المهني، أو في حياته الاجتماعية. من هذا المنطلق، يمكن القول إن البنية الأساس توفر الوسائل اللازمة لتمكين المجتمع من بناء اقتصاد ناجح، وحياة مرفهة. وعلى ذلك، فإن الإنفاق على البنية الأساس ليس تكاليف ضائعة، بل هو استثمار مفيد ماديا ونافع معنويا.
شبكات الاتصالات عماد مهم من أعمدة البنية الأساس، خصوصا مع وجود "الإنترنت" التي نجحت في ربط هذه الشبكات، عبر العالم بأسره، ضمن نظام مشترك، تم تمكينه من خلال "طبقة وسيطة"، استطاعت استيعاب مختلف الشبكات تحت مظلتها. بذلك أصبحت شبكات الاتصالات "نافذة للجميع على العالم بأسره بالصوت والصورة والنصوص"، أي أنها أصبحت وسيلة للتفاعل المعلوماتي حول العالم، هذا التفاعل الذي يشمل مختلف مجالات الحياة. وتعزز ذلك بوجود مواقع مختلفة على "الإنترنت" تقدم معلومات وخدمات معلوماتية في هذه المجالات. وهكذا، بات لـ"الإنترنت" فضاء عالمي خاص في خدمة العالم المادي الذي نعيش فيه؛ وهذا الفضاء - كما أوردنا في مقالات سابقة - هو "الفضاء السيبراني".
كثير من الخدمات الحكومية يتم عبر الفضاء السيبراني، وكذلك الخدمات التجارية، والخدمات الصحية، والخدمات التعليمية، ناهيك أيضا عن الخدمات الإعلامية، إضافة إلى ما تقدمه شبكات التواصل الاجتماعي بما لها وما عليها، وغير ذلك من تطبيقات كثيرة تتزايد يوما بعد آخر. وتحتاج مثل هذه الخدمات تبعا لطبيعتها إلى سرعات مختلفة في نقل المعلومات. فالفيديو وقنوات البث التلفزيوني الإعلامية والتعليمية وغيرها تحتاج إلى سرعات أكبر في نقل المعلومات من حاجة المكالمات الصوتية، أو الرسائل النصية. كما أن الصور الدقيقة، مثل صور الأشعة في التطبيقات الطبية، تتضمن كمية معلومات كبيرة، وتحتاج إلى سرعات عالية في نقلها المباشر إلى أصحاب العلاقة عبر قنوات الاتصال.
على أساس ما سبق، فإن حصول المستفيدين على مختلف الخدمات، سابقة الذكر، يحتاج إلى النفاذ إلى قنوات اتصال، سلكية ولا سلكية، تتمتع بسرعات عالية في نقل المعلومات. وهنا يبرز ما يعرف بـ"النطاق العريض"، يسمح عبر المجال الترددي الواسع الذي يتمتع به بنقل المعلومات بسرعات عالية. ويعرف "عرض النطاق" بأنه سعة قناة الاتصال، سواء كانت سلكية أو لا سلكية، في إرسال كمية من البيانات من مكان إلى آخر، خلال زمن محدد، وتزداد هذه الكمية بازدياد عرض النطاق. ويعبر عن هذا العرض إما بـ"المجال الترددي" الذي تعمل القناة عبره، وإما بـ"سرعة نقل المعلومات" التي تتمتع بها القناة. ويتوافر هذا النطاق سلكيا عبر قنوات ما يعرف بـ"الألياف البصرية"، ولا سلكيا عبر "الطيف الترددي والأساليب الحديثة التي تستخدمه بكفاءة وفاعلية".
تهتم الدول بإقامة وتطوير شبكات اتصالات فاعلة تتمتع "ببنية نطاق عرض متميزة" تسمح بتوفير كثير من "الخدمات الحكومية" إلكترونيا، وتمكين كثير من "خدمات الأعمال" إلكترونيا أيضا. لكن مثل هذا الأمر لا يتم عبر مشروع واحد يحقق المطلوب خلال مدة زمنية محددة وينتهي الأمر؛ إنما يحتاج إلى سلسلة من المشاريع المستمرة التي تستجيب إلى المتطلبات المتجددة والمتزايدة. وتتمثل هذه المتطلبات في بروز تطبيقات رقمية جديدة وواعدة، مثل تطبيقات "إنترنت الأشياء" وتطبيقات "الذكاء الاصطناعي" و"الأتمتة" وغيرها. ويضاف إلى ذلك تطور التطبيقات القائمة وتزايد متطلباتها، ناهيك عن زيادة عدد السكان، وبالتالي تزايد عدد مستخدمي الشبكات. هناك توجه على مستوى العالم نحو تشجيع الاستثمار في "بنية الاتصالات الأساسية عريضة النطاق"، حيث تمثل هذه البنية "الوسيلة الممكنة" للتحول الرقمي، الذي يعد بتفعيل التنمية الاقتصادية وتوفير حياة أفضل للعالم. في هذا الإطار، صدر أخيرا "مطلع عام 2019" عن الاتحاد الدولي للاتصالات ITU تقرير يقدم إطارا عاما للاستثمار في التقنية الرقمية Digital Investment Framework من أجل تحقيق الأهداف العالمية التي يجب على العالم بأسره الإسهام في الوصول إليها بحلول عام 2030، وتعرف بـ"أهداف التنمية المستدامة SDGs". والملاحظ أن التقرير يضع مسألة الاستثمار هذه في إطار "أسلوب الحوكمة الشاملة WGA"، الذي تحدثنا عنه في مقال سابق. ولا بد لتمكين هذا الأسلوب من تزويد شبكات الاتصال في الدول المختلفة بأقنية اتصال عريضة النطاق تسمح بأداء الخدمات على أفضل وجه ممكن. ويركز الأسلوب على تأمين وقفة حكومية واحدة One Stop Government، أي موقع حكومي إلكتروني واحد على "الإنترنت"، تقدم من خلاله خدمات جميع الوزارات والهيئات الحكومية، عبر قنوات "عريضة النطاق" ينفذ إليها الجميع.
إن أهمية تطوير شبكات الاتصالات في دولة من الدول، لا ترتبط بالدول المعنية فقط، بل بدول العالم الأخرى أيضا، لأن ذلك يتيح للجميع التواصل مع الجميع. ويعطي هذا الأمر بابا للتفاعل والتعاون الدولي والعمل المشترك في مختلف المجالات باستخدام هذه الشبكات، بما يحقق الفائدة لجميع المشاركين. بناء على ذلك، يقدم الاتحاد الدولي للاتصالات إحصائيات سنوية حول حالة الاتصالات في مختلف دول العالم. وتقول هذه الإحصائيات بشأن المملكة: إن عدد مستخدمي الإنترنت في المملكة ازداد خلال خمس سنوات، بين عام 2012 وعام 2017، من 47.5 في المائة من السكان إلى 73.8 في المائة من السكان؛ وأن عرض نطاق قنوات الاتصال الواردة من "الإنترنت" للمستخدم الواحد ازداد من نحو "34 ألف بت في الثانية" إلى نحو "78 ألف بت في الثانية"، ويتجه التطوير في هذا المجال إلى المزيد.
لا شك أن بنية شبكات الاتصالات، وعرض نطاق أقنيتها السلكية واللاسلكية، متطلب رئيس من متطلبات التحول الرقمي الذي تتسابق الدول على تفعيله، وتطوير تطبيقاته في مختلف المجالات. فهذا التحول هو وسيلة العصر للحصول على أداء مهني متميز، وعلى حياة اجتماعية مرفهة.

إنشرها